الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي
الجزء ١ · صفحة ١١ولأن ابن باديس رحمه الله قد وصل بتأملاته في واقع المجتمع الجزائري،، إلى أن هذا المجتمع أصبح كيانه مهددا بالذوبان والفناء .. فإنه عمل على انتشال هذا المجتمع من هذه الوضعية، وذلك بالسعي لإنقاذ الشخصية الجزائرية مما سقطت فيه من ضياع وانهيار حضاري شامل على كافة المستويات. وهذا العمل لم يكن ليتم إلا بالعمل على إحياء ما تبقى من مقومات هذه الشخصية، وكان لابد له أن يكافح على أكثر من مستوى، وفي أكثر من مجال .. وكان من بين هذه المجالات؛ مجال الوحدة الوطنية الذي عمل فيه بكل ما يستطيع من جهد وقوة، بغية الحفاظ على وحدة الشعب الجزائري، التي هي السبيل إلى أن يبقى هذا الشعب في منأى عن الذوبان في مخططات فرنسا وتدابيرها.
فالشيخ الإمام رحمه الله كان يدرك جيدا أن الفرد لوحده لا يستطيع أن يقيم لنفسه كيانا، ولا يستطيع أن يدافع عن مصالحه ويحقق حاجاته إلا في إطار جماعة تربطه بغيره من بني وطنه وأمته، ذلك أن "الارتباط بالجماعة والتعاون معها يضاعف مقادير القوة، لأن القوة المجتمعة تصمد أمام القوى الأخرى المعادية، بخلاف القوى الانفرادية المتناثرة أو القوى المجزأة، فإن أية قوة معادية تستطيع الظفر بها، والتغلب عليها والتحكم بمقاديرها" (2).
لذلك عمل رحمه الله على إحياء الوحدة الوطنية بين الجزائريين وتنميتها من خلال إحياء المقومات المشتركة التي تجمع بينهم ويتكون منها كيانهم.
2 ـ مفهوم الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس:
يعتبر ابن باديس رحمه الله، أن الوحدة هي العامل الأساس في تحصيل القدرة على إقامة الكيان الحضاري للأمة أو المجتمع وبنائه وتمكينه من الوقوف في وجه محاولات الإسقاط والتبديد. وهو ينطلق في حديثه عن الوحدة من اعتبارها فريضة دينية، يطالب المؤمنون بإقامتها في حياتهم وفي علاقاتهم، دون أن يكون لهم في ذلك خيار.
يقول رحمه الله: "الواجب على كل فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في التضام والالتحام، حتى يكون منهم جسد واحد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (3) .....
ألا ترى البنيان كيف يتركب من الحجارة الكبيرة، والحجارة الصغيرة، والمواد الأخرى التي تلحم بها الحجارة وتكسى، وكل ذلك محتاج إليه في تشييد البنيان، فكذلك مجتمع المؤمنين فإنه متكون من جميع أفرادهم على اختلاف طبقاتهم، فالكبير والجليل له مكانه، والصغير والحقير له مكانه، وعلى كل واحد أن يسد الثغرة التي من ناحيته، مع شعوره بارتباطه مع غيره من جميع أجزاء البنيان التي لا غناء لها عنه، كما لا غناء له عن كل واحد منها، فكل واحد من المؤمنين عليه تبعته، بمقدار المركز الذي هو فيه، والقدرة التي عنده، ولا يجوز لأحد وإن كان أحقر حقير أن يخل