مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

نحن والعولمة ... بعض الفرص والمخاطر لقاسم حجاج

الجزء ١ · صفحة ٤٥

نحن والعولمة … بعض الفرص والمخاطر

بقلم: قاسم حجاج

أستاذ بجامعة ورقلة

انتشر خلال التسعينيات من القرن العشرين الميلادي الاستخدام المسرف لمفهوم "العولمة". والمتأمل لهذا الانتشار السريع والواسع لهذا المفهوم يدرك أنَّ ذلك حصل بدوره بسبب ما تتميَّز به العولمة ذاتها إعلاميًّا واتصاليا.

إنَّ المفهوم يعبر عن ظواهر ووقائع وتحولات تحمل الكثير لمستقبل مجتمعاتنا. كما تحمل مخاطر جمَّة تهدد مجتمعاتنا والإنسانية والكوكب الأرضي كلَّه، وتجعل الإنسان لأوَّل مرة في تاريخ الإنسان على الأرض يفكر في مصير هذا "الكوكب - الوطن" على حدِّ تعبير المفكر الفرنسي "إدغار موران".

كما أنَّ المفهوم يعبِّر أيضًا عن الرؤى والمصالح والأهداف التي صنعتها وتسعى لتحقيقها الأطراف الفاعلة من داخل المنظومة الغربية الأمريكية بالذات، فإذا كانت العولمة تعني من بين ما تعنيه لكامل شعوب ودول العالم: حقائق الاعتماد المتبادل، أو التبعية المتبادلة (قسرية أو إرادية) أو تعني لدى البعض "الأمركة" أو بداية مرحلة الثورة الصناعية الثالثة، أو بناء المجتمع ما بعد الصناعي أي المعلوماتي، بكلِّ ما تعنيه أيضًا هذه المفاهيم الجديدة من تغيير في الخرائط الجيو-سياسية والجيو-استراتيجية، والجيو-معلوماتية، وانهيار الكثير من من المسلمات المعرفية، وتراجع نفوذ الدولة القومية، وتزايد سلطة نفوذ الشركات الكوكبية المتعددة الجنسيات، وهيمنة قوى السوق الليبيرالية الجديدة عبر التوظيف المكثَّف للتكنولوجيات والعلوم الجديدة.

إنَّها (أي العولمة) تعني باختصار «أن تفكر كوكبيًا وأنت تتحرَّك محلِّيا ( Think Global and Act local) إنَّه تحوُّل جذري غير مسبوق في مفهوم "الزمان والمكان" و"الأنا" و"النحن" و"الآخر" … ».

فإذا كانت العولمة تهني تلك التغيرات الطفرية التي تمس بإيجابياتها وسلبياتها حتى المجتمعات التي انطلقت منها مساراتها وديناميكياتها؛ فماذا تعنيه العولمة بالنسبة للمجتمع المحلِّي، وبالنسبة للمجتمع الميزابي بالذات، حاضرًا ومستقبلاً؟ وماذا يُنتظر منا من مجهود تكيُّفي كبير لاغتنام فرصها وتلافي مخاطرها، أو على الأقل التخفيف منها، بحيث نتعاطى مع مقتضيات العولمة من خلال التوظيف الذكي والواعي والنقدي للتراث والتجارب السابقة ورصيد الخبرة المحلية للخصوصية المحلية ذات الامتداد الألفي، على أن تكون النظرة إلى المستقبل المحلي والمحلي والميزابي ورهاناته هي التي تشغل جلَّ اهتماماتنا وتفكيرنا وخططنا لأنَّ التحولات تجري بسرعة كبيرة، تتطلَّب تعبئة التفكير الجماعي من أجل بلورة رؤى استشرافية تقينا من العشوائية والعفوية والفوضوية والانفعالية في التعاطي مع العولمة.

٤٥ / ١٤٠