مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

الاعتكاف: العبادة المهجورة لمحمد بابا عمي

الجزء ١ · صفحة ٢٧

الاعتكاف: العبادة المهجورة

بقلم الدكتور: محمد بن موسى باباعمي

مكتب الدراسات، الجزائر

الإشكال:

عقدت في شهر رمضان جولة مع صديقين في كثير من مساجد ميزاب، بحيث آلينا على أنفسنا أن لا نصلي صلاتين في مسجد واحد، وكان الهدف هو تحليل نوع الدروس، ووجهتها، ومواضيعها، وجوانب القوة فيها، ومواطن الضعف التي تسجل عليها. فكانت بحقٍّ رحلة علمية عملية، انتهت بتقرير مكتوب، أودعته مكتبتي، واستفدت منه في رؤتي ومستقبلي …

وبغض النظر عن الإيجابيات، وهي كثيرة لا تحصى، سجلتُ جلة من السلبيات، منها: قلَّة الدروس في الفقه والعقيدة، بل الغالب على الدروس التي حضرناها هو الطرح الاجتماعي، والمواضيع

الاجتماعية المتكررة، إلا ما نذر.

ثم بعد سنوات، لاحظت من جملة ما لاحظت أنَّ ثمَّة غيابا لعبادة عظيمة من واقع الأمَّة، وإتيان بعض الناس لها بأسماء أخرى، وأحكام مختلفة، وكأنها ليست في فقهنا، ولا اصل لها في ديننا. وبهذا ضيعنا خيرا كثير اجراء جهلنا بها. ذلك أنَّنا في حاجة ماسة اليوم إلى تزكية النفس بعلم، وليس بناء على عواطف أو حركات وانتماءات لا أساس لها من الدين الصحيح. إنها عبادة الاعتكاف.

ولكون هذه العبادة مرتبطة بالصوم في القرآن الكريم ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (سورة البقرة: 187). وفي الحكم، والتبويب الفقهي، والمناسبة الزمنية … ونحن في شهر الصيام. ولأنها كذبلك وردت بأبوابها في جميع كتب الفقه الإباضية وغير الإباضية.

هدفي من هذا المقال:

- عمليٌّ محض، فكلُّ رجائي أن نحيي مع بعضٍ هذه السنَّة، وأن نطبِّقها سواء في مساجدنا، أو في المسجد الحرام للمعتمرين.

- بودِّي لو ينظَّم في بعض مساجدنا اعتكاف في رمضان، حسبما تراه إدارة هذه المساجد، وبخاصة في أيام عطلة نهاية الأسبوع؛ فيكون لها الفضل إن شاء في إحياء سنَّة؛ وقد أخرج مسلم من حديث جرير عن عبد الله البجلي، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة». وفي حديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا الى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا يُنقص ذلك من أجورهم شيئا».

تعريف الاعتكاف:

- الاعتكاف لغة: الافتعال، من عكف على الشيء عكوفا وعكفا. إذا لازمه وواظب عليه، وعكفت الشيء: حبسته. ومنه قوله تعالى: ﴿هُمُ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا اَنْ يَّبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (سورة الفتح: الآية 25). وعكفته عن حاجته، منعته. والاعتكاف: حبس النفس عن التصرفات العادية.

- وشرعا: اللبث في المسجد على صفة مخصوصة بنية، وقال القطب اطفيش في شرح النيل: «اللبث في المسجد للعبادة، معزوما على دوامه يوما وليلة، أو يوما وبعض الليل، مما يلي آخره فأكثر». وأقله ساعة دخولك المسجد، ذلك أنَّه حبس لحركتك العقلية والدنيوية في بيت من بيوت الله لحيِّز زمنيٍّ معلوم. قال صحابي: «كنَّا نخلِّف أمر الدنيا مع نعالنا»، فأضاف آخر: «وأقدارنا». وسمع الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضاَّلته في المسجد فقال له: «لا ردَّ الله لك ضالَّتك».

٢٧ / ١٤٠