القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة لعيسى بوراس
الجزء ١ · صفحة ٣٢بسم الله الرحمن الرحيم
القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة
- أ/ بوراس عيسى -
تمهيد:
إنَّ التشريع الإسلامي فيما وُضع له من ضبطٍ لحياة الإنسان يندرج ضمن التدبير الإلهي للكون الذي بمقتضاه يتحرَّك هذا الكون بكلِّ ما فيه، على أساس الحكمة والقصد في اتجاهٍ غائي هادف، وهو ما صوَّره قولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ﴾ (الأنبياء 16).
إذا كانت الحكمة الإلهية تبدو في تدبير الكون عامَّة فيما ركِّب عليه من نظام وتناسق يدلان عن مقاصد بيِّنة في دفعه إلى تحقيق غايته، فإنَّها في التشريع الذي وضعه الله تعالى لضبط حياة الإنسان تبدو فيما ركِّب عليه ذلك التشريع من مقاصد تنتهي بالإنسان إلى أن يحقِّق ما خُلق لأجله من مُهمَّة عمارة الأرض والخلافة فيها.
وكما تبدو الحكمة الإلهية في كلِّ الكائنات بالنظر إلى ذاتها وبالنظر إلى حركتها ضمن الحركة الكونيَّة، فإنها أيضا تتحقَّق في كل تشريع من التشريعات الإلهية، فما من حكم من الأحكام الشرعية إلاَّ وهو مُنطوٍ على حكمة مُوصِلة إلى الغاية من الوجود الإنساني، مجموعُ تلك الحِكم هي المعبَّر عنها في الدراسات الفقهيَّة الأصولية بمقاصد الشريعة.
فالشريعة الإسلامية شريعة منزَّلة، ولكنَّها في جانبها الموحى تعطي من خلال الاجماع والاجتهاد استمرارًا للنص في الزمان والمكان.
ولأنها أُنزلت للبشرية، وتستمرُّ في حياتهم عبر القرون والأجيال فإنها تتضمَّن قواعد تعتبر منهجًا يرسم للمجتهد أُسُس الاستنباط ضمن المقاصد الكبرى للشريعة، ويحاوِل هذا البحث بيان علاقة القاعدة الشرعيَّة بمقاصد الشريعة، ولقد قسَّمت الموضوع إلى مبحثين أساسيين الأوَّل حول القواعد الشرعية في خمسة مطالب. أمَّا المبحث الثاني فكان بيان القاعدة الشرعية وعلاقتها بالمقاصد في أربعة مطالب، مع تخصيصي المطلب الرابع لقاعدة شرعية ومقصدها التشريعي نموذجًا.
فهذه خطَّتي للبحث عامة، فإن وفقت في تحليل هذا الموضوع وإظهاره جليا واضحا فمن الله سبحانه، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان، ولله الحمد والمنة أوله وآخره.
المبحث الأول: القواعد الشرعية
المطلب الأول: التعريف بالقاعدة:
قال الكَفري: «يطلق الأصلُ على القاعدة المناسِبة المنطبقة على الجزئيات، فالقاعدة هي الأصل» (1).
جاء أنَّ القاعدة هي القانون، وقال صاحب دستور العلماء: «القانون في الاصطلاح هو القاعدة، قضيَّة كلية تعرف منها بالقوة القريبة من الفعل أحوال جزئيات موضوعها مثل: كل فاعل ومرفوع.
وفرَّق بعضهم بأنَّ القانون هو الأمر الكلِّي المنطبق على جميع الجزئيات التي سيتعرف أحكامها منه.
والقاعدة هي القضيَّة الكلية المذكورة» (2).
وجاء في دور الحكام: «القاعدة لغةً: أساسُ الشيء، وفي اصطلاح الفقهاء: هو الحكم الكلِّي أو