ميزاب جامعة بلا جامعة!؟ لقاسم حجاج
الجزء ١ · صفحة ٩٢ميزاب جامعة بلا جامعة!؟ لقاسم حجاج
بقلم: قاسم حجاج
جامعة ورقلة
تعدُّ ولاية غرداية مفترق طرق وطني وإقليمي وقاري ألفي، ومحور استقطاب وجذب لمختلف الأنشطة النافعة الحضارية في الجزائر قديما وحديثا. إنها نقطة ربط بين الشمال والجنوب الجزائري، المغاربي، الإفريقي، المتوسطي، خاصة في أفق إقامة منطقتي التبادل الحر الأورومتوسطية والعربية. إنها تكسب هذه الأهمية بفضل حيوية قلبها الممتثل في مجموعة مدن منطقة بلاد الشبكة ابتداء من
مدن سهول مزاب وبريان والقرارة شمال الولاية ومتليلي والمنيعة جنوبها، وخاصة بؤرة المنطقة في المحور الغرداوي الذي يمتد على محور يصل ما بين المدن الواقعة على 80 إلى 100 كلم في الاتجاهات الأربعة والذي يتحول شيئا فشيئا إلى مركز عمراني كبير (ميغالو بوليس) وسط الصحراء بحوالي 100.000 نسمة مع تعددية في الأعراق والمذاهب والاتجاهات والأنشطة …
إن المنطقة تمثل مصدرا حقيقيا للثراء والإشعاع وكذلك أيضا للرهانات الثقافية والاقتصادية والسياسية نظرا للعراقة التي تزيد عن عشرة قرون، والتي تتميز بها تنظيماتها الاجتماعية-الاقتصادية-الثقافية. وما يزيد من أهميتها المستقبلية أن سمعتها أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية لتشكل مصدرا للإلهام العالمي، بفضل حكمة وصلابة وعبقرية أجيالها المتعاقبة.
إن تلك العبقرية المحلية طالما تكيفت بذكاء وتعايشت بتسامح وانسجمت في تناغم وأبدعت في أصالة، مع محيط إقليمي وعالمي شديد وسريع التحول، منذ بداية عصر الاكتشافات الجغرافية والعلمية والاتصالات الحديثة ابتداء من القرن الخامس عشر الميلادي، لتصل إلى مستوى مثير للإعجاب يصل أحيانا حد الأسطورة. ذلك أن وقوع المنطقة في منطقة جغرافية-مناخية-اقتصادية-اتصالية تتميز بالصعوبة القصوى - والأهمية الكبيرة في نفس الوقت- لم يكن عاملا مثبطا للإدارات بل محفزا لروح الاستجابة المحلية الموفقة إلى حد كبير. فكانت في مستوى التحدي، وفق ما يعبر عنه أرنولد توينبي المؤرخ البريطاني للحضارات في نظرية التحدي والاستجابة. فأثارت التجربة فضول العام والخاص وأسالت أقلام مفكرين ورحالة ومغامرين أمثال: شارل دوفوكو ولوكور بوزيي ومالك بن نبي وأنيس منصور … وغيرهم. إذ كانت الاستجابة للتحدي عبارة عن تأسيس نظم دينية، تعليمية، ثقافية، اقتصادية، كثيرة منها:
- مساجد ومحاضر وكتاتيب و مدارس وزوايا عامرة بالذكر والروحانية قديما وحديثا.
- رموز علمية وأدبية ودينية وجهادية عديدة قديما وحديثا، أمثال: الشيخ اطفيش وبيوض ومفدي زكرياء، وإبراهيم بوحميدة وصالح خرفي وبن بيتور أحمد والحاج سليمان شريف، ومرغوب بلحاج وغيرهم من الكفاءات الجزائرية الفذة التي زخرت وتزخر بهم المنطقة.
- مدارس ومعاهد تعليمية زاهرة بالفكر والعلم والإيمان. وقد كان مثلا معهد الحياة منذ الثلاثينيات مشتلة لتخريج عدة إطارات وطنية بعد أن التحقت بجامعات الأزهر والقاهرة بمصر والزيتونية بتونس وبغداد بالعراق، وغيرها، وعادت لتخدم الوطن قبل الاستقلال وأثناء الثورة وبعد الاستقلال. كما احتضنت أبناء الجزائر الذين قدموا إليها من عدة مناطق ومن أطراف شمال إفريقيا وبعض بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، لما شهدوا فيها من أدب رفيع وعلوم مفيد وتسامح عال أمثال المفكر والداعية علي يحي معمر الليبي والشاعر محمد الأخضر السائحي وغيرهما كثيرون.
-هندسة معمارية ذات خصوصية وإلهام عالمي متواصل.