قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١١٠استطاع الشاعر أن يصهر الفكرة عبر القيم الشعورية والتعبيرية.
وهذا البحث لم يسبق معالجته من هذه الزاوية، وقد يكون في ذلك شيء من الصعوبة، لكن الباحث يرجو أن يوفق في العمل على إخراجه مقبولا، فإنَّ استيضاح أثر الفكر في الأدب عمومًا وفي الشعر خاصة أمر يستدعي مزاوجة بين شيئين يبدوان متباعدين". (ص: 7)
أشار بعد ذلك وأكَّد أنَّ الشعر مرتبط كل الارتباط بثقافة الشاعر ومنطلقاته الفكرية. والباحث يبرر بذلك تناوله التعريف بالفكر الإباضي، وعرض بعض أصوله، وتوضيح بعض منطلقاته؛ حتى يسهل فهم ما ورد في نظم الشعراء، ومعرفة درجة تأثرهم بهذا الفكر، ولماذا تأثروا به: "وبما أنَّ الشعر مرتبط أشدَّ الارتباط بثقافة الشاعر ومنطلقاته الفكرية، فإن مثل هذه الدراسة تُعدُّ مهمة للتعرف عن قرب إلى هذا الفكر من جهة ومدى حضوره في نتاج الشاعر وأسلوبه وقاموسه من جهة أخرى.
والأصل في هذه الدراسة قائم على معرفة معالم الفكر الإباضي وملامحه الكلية، واتخاذها مدخلا عريضا لاستشرافها في الشعر العماني على وجه التعيين بزمانها المحدد، دون إغفال الجانب الفني والأسلوبي." (ص: 7)
وتبعا لذلك ولمزيد من توضيح الرؤى وتقديم المساعدة للقارئ كي يعي ما تضمَّنه شعر الشعراء من أفكار، ويفهم حقيقة ما تناولوه، وطبيعة معالجتهم له، الذي يتميز كل ما فيه بالخصوصية، فإن الباحث يقول إنه يعرج على الأحداث الجسام التي حدثت في عصر الفتنة، التي كانت لها إفرازات خاصَّة، ونتائج متميزة: "ولذلك لابد لهذه الدراسة من أن تطوف بالأحداث الجسام، التي شهدتها الأمَّة في عصر الفتنة، إذ كانت هذه الأحداث تمثل تيارات سياسية ودينية انبثق منها الفكر الإباضي. وليس في مقدور الباحث أن يحيط بهذا الفكر من جميع جوانبه، ولكن عليه أن يسعى إلى الإلمام بأهمِّ الأصول الفكرية للمذهب قبل الشروع في دراسة أثر الفكر في الشعر العماني". (ص 7، 8)
إذن من جملة هذه الإفرازات والنتائج ظهور المذهب الإباضي. من هذا المنظور رأى الباحث ضرورة التعريف بهذا المذهب وفكره؛ حتى تتضح الرؤية، وتتحدَّد المعالم، وتتبيَّن الأمور للقارئ الذي يتابع ويتأمل ما يعرضه الباحث من أشعار الشعراء المتأثرة بهذا الفكر: "ومن أجل ذلك سيركز الباحث على أهم المقولات الفكرية التي تمثل هويَّة المذهب، كما تمثل رمز أصالته؛ بما يهيئ لإدراك عمقها التاريخي، لما تتركه من سمات بارزة في إبداع المبدعين." ثم يضيف الباحث "إنَّ الفكر الإباضي مرتبط بفكر إسلاميٍّ شامل، فهو جزء من نسيجه، يخضع لمجموعة من الأنساق الفكرية، تختلف أو تتَّفق في رؤاها وتوجهاتها مع الآخر، لكنها تبقى محكومة بالمنظومة الفكرية العليا التي تنطلق من خلالها". (ص: 8) التعليق الأخير يقدِّم توضيحا مهمًّا، وهو أن هذا الفكر ولو كان متميزًا؛ بسبب الظروف التي أوجدته، والأحداث التي مرَّت عليه، والنظرة التي كان ينظر بها