واقعية التصور الإسلامي في نثر أبي اليقظان لمحمد زغينة
الجزء ١ · صفحة ٢أرواحكما بهواء واحد، فوق أرض واحدة، أفلست بعد هذه العلاقة المتينة أنت هو، وهو أنت؟» (5).
من هذا النص السابق نلمس واقعية الفكر، وواقعية التعبير، وواقعية التصوُّر للوطن الجزائري، إذ لا يمكن للمصلح أن يدعو إلى أكثر مما دعا إليه أبو اليقظان، ولا يمكن لأيٍّ كان أن يتصوَّر وحدة قوميَّة واقعية أكثر مما تصوَّر أبو اليقظان بحسِّه الشاعري وبإيمانه التوحيدي، وكلُّ ذلك لأنَّ الأديب فردٌ من هذه الأمَّة، أي أنَّه «ليس عنصراً غريباً عن المجتمع، وليس مثالياً في منزعه الفكري وفي تصوُّره لما هو واقع في ركب الحياة بجميع مظاهرها المختلفة». (6)
فأبو اليقظان في تصوُّره هذا كان فنَّانًا ذا تصوُّر عالمي واقعي، فهو لا يرسم صورة لواقعه مزيفة أو كاذبة وإنَّما يصوِّر كل ما يراه وكل ما يحدث التوازن الاجتماعي فعلا، لأنَّ الشعب الجزائري فعلا ألحم الله بين أفراده بالدين واللغة والنسب والوطن الواحد … فكلُّه في فلك الوحدانية.
ومن تصوراته الواقعية لظاهرة الفقر التي يقول عنها: «إنَّ أشد على الناس هونا وأعظم لديهم خطراً؛ هو ذلك الشبح الأسود البشع الصورة الفظيع المنظر، القبيح اللون، ألا وهو الفقر .. فتِّش في العالم كلَّ قلب من كلِّ إنسان تجده مفعمًا بالخوف والذعر من الفقر، يختلف الناس في اكتساب المعاش إلى طرائق ومسالك، ويذهبون فيه إلى مذاهب، وينزعون بسائر الذرائع من حلال وحرام، وسائق الجميع واحدٌ هو الخوف من ذلك الشبح الأسود، شبح الفقر» (7).
إنَّ النص السابق هو: «كلُّ ما تحمله الواقعية من دلالات لمصطلح أدبي يدخل حقل النقد الأدبي، ويعدُّ الأثر الأدبي تعبيرًا وتفسيرًا لرؤية الأديب للأحداث الاجتماعية والسياسية وغيرها .. وواقعية ليست تسجيلاً للواقع وانحصاراً فيه وتبريراً له أو تزويراً فيه، بل هي موقفٌ فكريٌّ حرٌّ للأديب من ذلك الواقع» (8)؛ إنَّها واقعية تنبض بكل المعاني.
واقعية تجربة من «تجارب الحياة التي تهتز لها نفس الإنسان، وتثير فيها أعمق الانفعالات وأصدقها (9)»، لأنَّ الواقعية عند أبي اليقظان هي واقعية العمق الفكري والصدق الفني وشمول التصوُّر، ووضوح الهدف، لأنَّ الأديب الحقَّ إذا كان بعيدًا عن ذلك يصبح أدبه «شيئا ضعيف الأثر وضئيل القدر، بعيدًا عن قضايا العصر منعزلا عن مصائر البشر» (10).
ومن هذه الواقعية، هذا الوصف الواقعي لواقع الإنسانية في ظلِّ الاستعمار يقول: «يخدم القويَّ كل جد، ويواتيه كلُّ حظ، ويلائمُه كلُّ ربح، البَرُّ يرتجف منه، والبحر يخضع له، والجوُّ يمدُّ إليه بساطه، والأرض تُنبت لملء مطاميره، والسحاب لسقي زروعه، والمعادن تفيض بالتبر لخزائنه، والبحار تجود بالجواهر واللآلئ لترصيعِ تاجه، وتَحلِيةِ جيدِه؛ البخارُ يذلِّل ضمَّ الصعاب، والكهرباء تُسخِّرُ له ما عجز عنه أولو الألباب … يرى أنَّه لا قوَّة غير قوته، ولا دين غير دينه، ولا شريعةَ غير شريعته، ولا عقليةَ غير عقليته، والمرضيَّ من رضى عنه، والمغضوبَ من غضِبَ هو عليه