مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

واقعية التصور الإسلامي في نثر أبي اليقظان لمحمد زغينة

الجزء ١ · صفحة ٣

«(11)

إنهَّا واقعية الفكر والتصوُّر والمنطق، كما رجَّت في ذهن الكاتب فنقلها إلى المتلقي بكلِّ صدق وأمانة ووفق تصوُّره للحياة، لذلك يضيف قائلاً: «ويرى بموجب ذلك أنَّه يجب عزلُ الله - تعالى الله - من أرضه ومزاحمته في ملكوته، يجب نسخُ دينه وشريعتِه، يجبُ مسخُ نظامه في الكون، وتأسيسِ نظام عصريٍّ جديد على أنقاض نظامِه، هكذا القويُّ، وهكذا آثار القوَّة العمياء» (12).

فهذه واقعيَّة التصوُّر الإنساني حين يتجبَّر الإنسان منذ فرعون، مروراً بهامان وقارون ووصولاً إلى عصرنا هذا، عصر النظام العالميِّ الجديد، إنَّه التصوُّر الإنساني الواقعي لحركة التاريخ الاجتماعي، وعلاقة القوي بالكون وبالضعيف، وهو ما يمكن أن نكتشفه من خلال الفقرة التالية أيضاً: «أمَّا الضعيف فإنَّه يخونُه كلُّ حظ، ويعثر به كل جد، ويعاكِسُه كلُّ ربح، وتقفُ في سبيله كلُّ عقبة، وينغلِقُ أمامَه كلُّ باب، إن نهض قعد به فقرُه، وإن سعى أخَّرهُ ضعفُه، وإن طرق باباً أوصدَهُ دونَه هوانُه، وإن استغاث خانَهُ خفوتُ صوتِه، حَسنُهُ سيِّئة، صلاحُه فساد، وصوابُه خطأ، وحقُّه باطل، جمالُه دمامة، وعبقريَّتُه طيش وتجاوُزٌ لطوره، إن تكلَّم الحقَّ سُفِّه، وإن صدق القول كُذِّب، وإن أبدى رأيا سديداً لغا فيه .. » (13).

إنَّ المتأمل في النص السابق يحسُّ أنَّ أبا اليقظان يتناول قضايا الحياة من داخل نفسه وبوحي انفعاله الصادق العميق (14). لذلك نرى واقعية الطرح والتفاعل مع الواقع والفكرة، فهو تصوُّرٌ فكريٌّ وموقفٌ من الواقع، ولذلك يقول محمد مصايف: «إنَّ أول ما يميِّز الأدب الواقعي من غيره ارتباطُه الوثيق بالواقع الذي يشكِّل الموضوع الأساسي، إن لم يكن الأوحد لهذا الأدب في المغرب العربي، وهو واقع المجتمع، وواقع الإنسانية كلِّها، بل إنَّ بعض النقاد الواقعيين المغاربة يعتبرون الواقع الإنساني أصلاً لكل الموجودات … فالواقع الإنساني بهذا الاعتبار هو المادة الأولى التي يستوحيها الأديب في التعبير عن مشاعره ومواقفه، وفي وضعه الاجتماعي بما يطبعه من بؤس أو رخاء، وعلاقته بالإنسان والأرض وموقفه من الأنظمة … «(15).

هكذا نحسُّ بهذه الواقعية التي كانت تسيطر على ذهن أبي اليقظان، وتقضُّ مضجعه فلا يملك إلاَّ أن يقول عن هؤلاء الضعفاء الذين نَسَوا إنسانيتهم واستعبدهم الأغنياءُ، وصار الضعف خاصيَّة من خصائصهم، فيقول فيهم بكلِّ أسى وحزن واقعيين: «إنَّ الضعيف جرثومةٌ تلد آلافًا من الجراثيم، فيسري الضعف في المال إلى الدين والأخلاق والمدارك والعقول والنفوس، ويصبح صاحبه ضعيفًا في كلِّ ذلك إلى أن يصير وهو يردِّد الأنفاس في حكم الميت تتقاذفه القوَّة من هنا وهناك «(16).

فواقعية أبي اليقظان كانت هادفة، ناقدة للوضع، لأنَّه كان كاتبًا مصلحا عاش آلام شعبه وأمال أمَّته، فكان فكرُه ينبض بهذا الواقع وكان تصوُّره له تصورًا إسلاميًّا بكلِّ واقعياته ولذلك أبرز لنا الصراع الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان بكلِّ تناقضات الواقع، فكرةً وأسلوبا وطرحاً لأنَّ

٣ / ١٤٠