الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي
الجزء ١ · صفحة ٢٤ورغم محاولات الاستفزاز التي شنتها بعض التنظيمات الحزبية الوطنية تجاه الشيخ وجمعيته، إلا أنه أعلن صراحة أنه لا ولن يجاريها في تلك الاستفزازات ولن يسخر جهده ولا جهد جمعيته لمواجهتها والدخول في صراعات معها.
وقد صرح ابن باديس يوما بموقف جمعيته من بقية التنظميات، فقال:
"أما موقف الجمعية مع خصومها، فإنها تعلم أن الأمة اليوم تجتاز طورا من أشق أطوارها وأخطرها، فهي تتناسى كل خصومة، ولا تنبذ إلا أولئك الرؤوس، رؤوس الباطل والضلال الذين لا تجدهم الأمة في أيام محنتها إلا بلاء عليها … ولا يتحركون إلا إذا حُرِّكوا لغايات عكس غاياتها" (32).
فابن باديس كان يدعو غيره من زعماء التنظيمات الوطنية إلى ترك أسباب الاختلاف التي يمكن أن تفرقهم، وإلى توحيد الوجهة بتنظيم الجبهة الوطنية ضمن نقطة الالتقاء المشتركة وهي العمل ضد الاستعمار (33).
تلك ـ إذن ـ بعض جهود ابن باديس رحمه الله في حماية الوحدة الوطنية والذود عن حياضها، وترسيخ مقوماتها .. ولقد آتت تلك الجهود أكلها وأثمرت الخير الكثير، إن على صعيد الوحدة الوطنية أو على سائر الأصعدة الأخرى التي ناضل فيها ابن باديس وعمل من خلالها على انتشال المجتمع الجزائري من وهدة الجهل والتخلف والاستغلال .. والحق أنه ما كان لرجل مثل ابن باديس، في ضعف بنيته وقلة حيلته، أن يحقق تلك المنجزات الضخمة لولا إيمانه العميق بالله عز وجل، وإيمانه بتناغم الشعب الجزائري مع دعوته وحركته الإصلاحية، ذلك "الإيمان هو الذي ساعده على النجاح، حتى استطاع أن يهزم خصوم القضية الوطنية وخصوم اللغة العربية، وخصوم الإسلام في الجزائر، ويزيحهم جميعا واحدا بعد آخر، وبذلك خرجت الشخصية الجزائرية، بكل مقوماتها الدينية واللغوية والوطنية، ظافرة منتصرة على أعدائها، وسارت الجزائر نحو تحقيق هدفها الكبير في الحرية والاستقلال" (34).
إن هذا الإيمان هو ما نحتاجه اليوم، ونحن نعمل على الحفاظ على مقومات وحدتنا الوطنية وعناصر شخصيتنا الحضارية، وهذا الإيمان لن يتحقق في نفوسنا ولن نرى آثاره في حياتنا إلا إذا وقر في نفوسنا حبا لوطننا وشعورا بانتمائنا التاريخي والحضاري الذي ينبغي أن نفخر به ونعتز، لا أن نشعر بالدون والنقص .. حبا يدفعنا إلى مزيد من العطاء والعمل كل في موقعه ومن خلال إمكاناته على أن نعود بقاطرة وطننا إلى السكة الصحيحة .. فلنأخذ من ابن باديس ذلك الإيمان وما اقترن به من حب وإخلاص لله والوطن، وإن لم نستطع، أو لم يستطع بعضنا، فعلى الأقل لا نعمل على تخريب هذا الوطن وهدم كيانه وإلغاء مقوماته، كما هو ديدن الكثيرين اليوم ممن مسخت شخصياتهم وأفكارهم وفقدوا قيمهم وأخلاقهم، ولم يعد لهم من ذلك كله إلا الاسم والتواجد الجغرافي ..
رحم الله ابن باديس، وأعلى قدره في الخالدين، ووفقنا إلى تقفي آثاره والسير على منهجه، الذي