الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي
الجزء ١ · صفحة ٢٣من أكبر المحرمات المهلكات.
ثالثا: مجاملة لبقية إخوانهم المالكية بالقطر، الذين تربطهم بهم رابطة الدين والوطن والمصلحة (30) ".
ج ـ العمل الشخصي في فك الخصومات وفض النزاعات:
حيث كان لا يفتأ يسعى إلى كل شقاق يبلغ خبره إليه، فيعمل على إنهاء أسبابه ومحاولة إقامة الصلح بين أطرافه، درءا للفتنة ودفعا لكل أسباب الشقاق، ومحاولة لتوجيه جهود الأمة كلها إلى مواجهة المعضلة الكبرى التي كان يعاني منها المجتمع الجزائري، ألا وهي معضلة الجهل والاستذلال. ولابن باديس في هذا الإطار مواقفه الكثيرة، ومنها موقفه المشهور في إخماد نار الفتنة بين اليهود والمسلمين في قسنطينة.
فقد "شهدت مدينة قسنطينة في صيف 1934م، حوادث دامية بين اليهود والمسلمين، بسبب انتهاك أحد اليهود وهو "الياهو خليفي" حرمة المسجد واعتدائه على المصلين بالسب والشتم، وتوجيه الكلام البذيء إليهم وإلى نبيهم ودينهم، فتحكم المسلمون في أعصابهم في البداية ولم يجاروه، ولكنه تمادى في غيه، واستمر يسب ويشتم ويفحش في القول، عند ذلك لجأ المسلمون إلى الشرطة وطالبوها بمعاقبته وتقديمه للمحاكمة، ولكن اليهود جيرانه تضامنوا معه، وامتنعوا عن تسليمه للشرطة، فزاده ذلك تعنتا وتجبرا، وانضم إليه جيرانه اليهود وأعلنوها هجمة شرسة على المسلمين، وراحوا يطلقون الرصاص على المتجمهرين والمارين، وكادت الفتنة تعم المدينة كلها لولا تدخل ابن باديس وبعض الأعيان الذين حرصوا على تهدئة الوضع .. وكان لابن باديس دور كبير في تهدئة الجموع الهائجة وإخماد نار الفتنة، وسجل في ذلك مواقف إنسانية شجاعة، إذ استطاع أن يجمع المسلمين ويقنعهم بتحكيم العقل، وعدم مسايرة الاستفزازات اليهودية … " (31).
دـ الترفع عن مجاراة الخصوم فيما يبثونه من أسباب الفرقة والشقاق:
فابن باديس باعتباره رئيسا لجمعية العلماء، كان يدرك جيدا خطورة السير في خط الصراع والنزاع مع بقية التنظيمات الحزبية التي كانت موجودة في ذلك الحين، وهو يعلم مدى حرص الحكومة الاستعمارية الفرنسية على تأجيج مثل هذه الصراعات، لما فيها من هدم لأسباب الوحدة والتعاون بين التنظيمات الوطنية الجزائرية واستمرار للسيطرة الفرنسية على الوضع.
لذلك عمل ما وسعه الجهد أن يجنب جمعيته الوقوع في صراعات مع بقية التنظيمات الجزائرية الأخرى، بل عمل من جهته على التعاون معها وإشعارها بأنه وجمعيته يقاسمانها التفكير في تحرير الوطن وتخليصه من الاستعمار، شعاره في ذلك: "لنعمل معا فيما اتفقنا فيه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".