القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة لعيسى بوراس
الجزء ١ · صفحة ٣٣الأكثري الذي يُراد به معرفةُ حُكمِ الجزئيات» (3).
وجاء في حاشية الحمودي على الأشباه والنظائر: «القاعدة: حكمٌ أغلبي ينطبق على معظم جزئياته (4)، بمعنى أنَّ كلَّ قاعدة منها تندرج تحتها فروع كثيرة متناثرة، في مختلف أبواب الفقه، وهي تتميز بالإيجاز في العبارة، وصقل الصياغة والإستيعاب الواسع للفروع، وإن كانت لا تخلو كلُّ قاعدة من مستثنيات يقتضي الاستحسان تطبيقها على قواعد أخرى» (5).
المطلب الثاني: نشأة القواعد الأصولية:
إنَّ الترتيب المنطقي للأمور يقضي بأنَّ القواعد الأصولية سابقة في الوجود على الفقه، كما يسبق أساس البناء في وجود البناء نفسِه.
وإذا أمعنَّا النظر في ما دُوِّن من الفقه الإسلامي وأصوله .. وجدنا أنَّ الفقه مسبوقٌ بقواعد أصوليَّة كان يبني عليها الفقهاء من الصحابة - ومَن بعدهم - أحكامهم، ويلاحظونها عند الاستنباط وإن لم تكن هذه القواعد آنذاك مدوَّنة في كتُب.
ومن ذلك قول علي (: في عقوبة شارب الخمر: أنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، فيجبُ أن يحدَّ حدَّ القذف.
يفهم من هذا الاستنباط النهج الأصولي .. وهو الحكم بالمآل أو الحكم بسدِّ الذرائع، وهي قاعدةٌ من قواعد الأصول.
وكذلك قول عبد الله بن مسعود: بأنَّ عدَّة الحامل المتوفَّى عنها زوجها بوضع الحمل، مستدلاًّ بالآية الكريمة: ﴿وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (6). ويقول: أشهدُ أنَّ سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة النساء الكبرى. أي أن سورة البقرة التي جاءت فيها: ﴿وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (7).
نلحظ في هذا القول منشأ قاعدةٍ أصولية: أنَّ "المتأخر ينسخُ المتقدِّم".
وكذلك الأمر عندما نرى حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بإبقاء أراضي سوادِ العراق في أيدي أصحابها، وجعل الجزية على رقابهم والخراج على أراضيهم، حيث قال: قد رأيتُ أن أحبس الأرضين بعلوجِها وأضع على أهلها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين المقاتلين والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه المدن العظام - الشام والجزيرة والكوفة ومصر - لابد لها من أن تُشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قُسِّمت الأرضون والعلوج.
في التعليل نلمح قاعدة أصولية وهي: "إناطة الحكم بالمصلحة" (8).
المطلب الثالث: نشأة القواعد الكليَّة:
إن القواعد الكلية شأنها شأن المصطلحات الفقهية لم تُوضع زمن الصحابة رضي الله عنهم، لعدم حاجتهم إلى ذلك، ولسلامة فِطَرِهم وقدرتهم على فهم المراد، ومعاني الكلمات، وبُعدَهم عن