مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة لعيسى بوراس

الجزء ١ · صفحة ٣٤

التلاعب بالألفاظ، ولكون العلم في بَدءِ تكوُّنه.

والحلول التي كانت تصدر عنهم، كانت حلولاً جزئية غير مسبوقة بوضع المناهج، ولم تتَّصف اجتهاداتهم بصفة علمية من ذكر الأحكام بأدلتها، وإرجاع الجزئيات إلى الكليات، أي بصورة واضحة تُعرِب عمَّا يتبعونه من الأسلوب الاجتهادي.

إنَّما اصطبغت الأحكام بالصبغة العلمية، ووُضِعت الاصطلاحات، واستُخرِجت القواعد ومناهج الاستنباط في القرن الثاني والثالث تقريبًا (9).

المطلب الرابع: استنباط القواعد:

لمَّا كان أساس الأحكام الأول هو كتاب الله وما جاء مبيِّنًا له ومتمِّما من سنَّة رسول الله (؛ فقد راعى الشارع في تشريعه إعطاء النظير حكم نظيره، كما لاحظ نتائج الأفعال، وما يترتَّب عليها من منافع ومضار، وأدار الأحكام عليها، فأباح أو أقر بكلِّ ما يترتَّب عليه منفعة راجحة ومنع كلَّ ما يترتب عليه مضرة كبيرة، قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ (10). والمجتهد الذي يستنبط الأحكام لا يستطيع الوصول إلى ما يريد بمجرَّد النظر في تلك النصوص الجزئية، بل لابدَّ له من ضوابط يضبط بها اجتهاده، فهو ينظر أوَّلا في تلك الأساليب ويستقرئُ مواضعها في كتاب الله وسنَّة رسوله مستعينًا في ذلك بما نُقل عن العرب، فيخرج من هذا الاستقراء بقواعد كليَّة ويجعلها أساسًا لتطبيق جزئياتها.

فمثلا إذا نظر في الأمر، وتتبَّع صيغه وموارده في الكتاب والسنَّة، وعرف ما تدلُّ عليه تلك الصيغة حال تجرُّدها من القرائن الصارفة له من الحقيقة إلى المجاز، وما تدلُّ عليه مستهديًا في ذلك بما فهمه فقهاء الصحابة منها بعربيتهم الخالصة، ووقوفهم على سرِّ التشريع، خلص من ذلك إلى أنَّها تدلُّ على إطلاقها على الوجوب، قرر قاعدة عامة تقول: "الأمر المطلقُ يُفيد الوجوب"، وكذلك في النهي؛ إذا انتهى المجتهد من استقرائه إلى أنَّه يدل على التحريم عند تجرُّده من القرائن، قرر قاعدة أخرى تقول: "النهي المطلق يفيد التحريم".

وكذلك إذا استعرض صيغ العموم وما تدلُّ عليه في موادها انتهى إلى وضع قاعدة: "العام الذي لا يلحقه التخصيص يتناول جميع أفراده قطعًا".

المطلب الخامس:

الفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية:

1/ القواعد الأصولية: هي الأسس والخطط والمناهج التي وضعها المجتهد نصب عينيه عند البدء والشروع في الاستنباط.

وبمعنى آخر: هي القانون الذي يلتزمه الفقيه ليعتصم به من الخطأ في الاستنباط.

٣٤ / ١٤٠