القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة لعيسى بوراس
الجزء ١ · صفحة ٤٢المشاقِّ أمرٌ نسبي، يُنظر فيه إلى طبيعة العمل، وضرورته ومصلحته، وإلى حال المكلَّف، وبناءًا على هذا كلِّه يكون الترخيص أو لا يكون (46).
ثم ختم الإمام هذه المباحث بالمسألة الثانية عشر: التي تنمُّ عن سمو فقهه في الشريعة، فقال: «فإذا نظرتَ في كلِّية الشريعة، فتأمَّلها تجدها حاملة على التوسُّط، فإن رأيت ميلاً إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقعٍ أو متوقع في الطرف الآخر، فطرف التشديد - وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر - يؤتى به في مقابلة من غَلَبَ عليه الانحلالُ في الدين.
وطرف التخفيف - وعامَّة ما يكون في التوجيه والترغيب والترخيص - يؤتى به في مقابلة من غَلَبَ عليه الحرجُ في التشديد.
فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، رأيتَ التوسُّطَ لائحا، ومسلكَ الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يُرجع إليه، والمعقل الذي يُلجأ إليه (47)».
الخاتمة:
قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور عن كتاب "الموافقات": «لقد بنى الشاطبي - حقًّا - بهذا التأليف هرمًا شامخا للثقافة الإسلامية، استطاع أن يُشرِف منه على مسالِكَ وطرقٍ لتحقيق خلود الدين وعصمته قَلَّ من اهتدى إليها قبله، فأصبح الخائضون في معاني الشريعة وأسرارها عالةً عليه، وظهرت مزيَّة كتابه ظهورًا عجيبًا في قرننا الحاضر والقرن قبله، لما امتلكت على العالم الإسلامي - عند نهضته من كبوته - أوجُه الجمع بين أحكام الدين ومستجدَّات الحياة العصرية، فكان كتاب "الموافقات" للشاطبي هو المفزَع وإليه المرجع».
والشاطبي لم يكتفِ بالتوسُّع والتعمُّق في مقاصد الشريعة، وبناء نظرية متكاملة في ذلك، وشقِّ مسالك البحث والكشف عن المقاصد، لم يكتف بهذا ليترك أمر الاستفادة من ذلك لفهم الفاهمين ومبادرة المتفقِّهين، بل حرص بنفسه على أن يُوصِل الأمر إلى غايته، وينتهي به إلى ثمرته، فلم يبرح حتى أدخل المقاصد في عالم الاجتهاد، وأدخل الاجتهاد في عالم المقاصد، فأحيى صِلَة الرحم ووثَّقها بينهما …
فلا بد للمجتهد عند الكشف عن المقاصد أن يستحضر قواعد وكلِّيات الشريعة المبنية على الجزئيات، ولا بد من مراعاة هذه وتلك في آن واحد، ولا بد أن يكون الاجتهاد مبنيا على هذه وتلك معًا؛ أعني القواعد والكليات مع الأدلة الجزئية.
وقد نبه الشاطبي - غير ما مرَّة - على هذا المسلك الاجتهادي المنسَّق بين قواعد الشريعة، وجزئياتها، ولكنَّ الموضع الجامع الأهم الذي عالج فيه هذا الموضوع هي المسألة الأولى: فالشريعة كلُّها مبنية على قصد المحافظة على المراتب الثلاثة: من الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وأنَّ هذه الكليات تقضي على كلِّ جزئي تحتها، إذ ليس فوق هذه الكليات كلِّيٌ تنتهي إليه، بل هي