مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة لعيسى بوراس

الجزء ١ · صفحة ٤١

ومقاصدها، وكما يدل عليه: الرُّخَص الكثيرة الورادة في تكاليف الشرع، فلو كان الشرع قاصدًا إلى المشقَّة لما وضع الرُّخص والأمر بعد هذا وذلك محلُّ إجماع.

ثم قرَّر في المسألة السابعة: أنَّ الشارع قاصدًا للتكليف بما يلزم فيه كلفة أو مشقة ما، ولكن لا تُسمَّى في العادة مشقَّة، كطلب المعاش بالتحرُّف، وسائر الصنائع، لأنَّه ممكنٌ معتاد لا يقطع ما فيه الكلفة عن العمل في الغالب المعتاد، بل أهل العقول وأرباب العادات يعدُّون المنقطع عنه كسلان ويذمونه بذلك، فكذلك المعتاد في التكاليف (43).

ورغم أنَّ معظم التكاليف الشرعية لا تخلو من قدر من المشقَّة وأنَّ الشارع قد قصد وضع هذا النوع من التكاليف، فإنَّ الشارع غير قاصدٍ نفس المشقَّة التي فيها، ففي جميع الحالات، الشارعُ لا يقصد المشقَّة بل يقصد ما في ذلك من المصالح العائدة للمكلَّف.

ويترتب على هذا أصلٌ آخر:

وهو أنَّ المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظرًا إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل.

وكلما كانت المشقَّة غير عادية وفادحة كان القصدُ إليها أبلغ في البطلان ومضادَّة قصد الشارع، لأنَّ الله لم يضع تعذيب النفوس سببًا للتقرب إليه، ولا لنيل ما عنده، وهذا طبعًا فيما إذا كان المكلَّف هو الذي يسعى إلى المشقَّة وقصد الدخول فيها، أمَّا إذا كانت من لوازم العمل فيصحُّ الدخول فيها، وحكمُها حكمُ ذلك العمل، كما في مشقَّة الجهاد مثلاً.

وعلَّة الحرص الشرعي على رفع الحرج تتلخَّص في أمرين (44):

1 ـ الخوفُ من الانقطاع عن الطريق وبغض العبادة وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى، الخوفُ من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله أن ماله أو حاله.

2 ـ خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلِّقة بالعبد المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله وولده، إلى تكاليف أخرى تأتي في الطريق، فربما كان التوغُّل في بعض الأعمال شاغلا عنها، وقاطعًا بالمكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما.

ثم انتقل الإمام الشاطبي في المسألة الثامنة إلى حكم نوع آخر من المشقَّة وهي مشقة: "مخالفة الهوى": ذلك أنَّ مخالفة ما تهوى الأنفس شاقٌّ عليها، وصعبٌ خروجها عنه، فقرَّر أن الشرع لا يقيم وزنا ولا يعطي اعتبارًا لهذه المشقة، لأنَّ الشارع إنَّما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلَّف عن اتباع هواه حتى يكون عبدا لله، فإذًا مخالفة الهوى ليست من المشقَّات المعتبرة في التكليف وإن كانت شاقَّة في مجاري العادات (45).

فالمشقَّة الواقعة بالمكلف خارجة عن معتاد المشقَّات في الأعمال العادية، حتى يحصل حرج ديني أو دنيوي، فمقصود الشرع فيها: الرفع على الجملة ..

فمشقَّة الصلاة والصوم، قد لا يعدُّ مثلها في الحج، ومشاقُّ الحج قد لا تُعتبر شيئًا في الجهاد، فقياسُ

٤١ / ١٤٠