نحن والعولمة ... بعض الفرص والمخاطر لقاسم حجاج
الجزء ١ · صفحة ٤٦إنَّ العولمة تعني باختصار شديد، تلك المشاهدات والملاحظات والنقاشات التي تحسَّسها جميعًا في حياتنا اليومية الخاصة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ويمكن إيجاز بعضها في الملاحظات التالية:
أ- الحالة السيكولوجية للأفراد والمجتمع:
وهي حالة أخذت تتسم بشكل متزايد بالشعور بظاهرة التسارع والمؤقتية تحت تأثير صدمة العولمة، فوتيرة وحركية الحياة الاجتماعية اليومية تزداد تسارعًا .. يشهد بذلك ما نشاهده من حالة الإرباك التي أصابت الأفراد والمؤسسات جميعًا. إنَّه تعبير سمَّاه "ألفين طوفلر" عالِم المستقبليات الأمريكي في عنوان كتابه بـ"صدمة المستقبل" … إنه انهيار سريع لمسلمات وحدود عديدة طالما حرصنا - صائبين أو مخطئين - على الاحتماء بها والحفاظ عليها. بينما أصبحت اليوم ظاهرة التغير هو الثابت.
ففجأة "تحرَّر" الأفراد والمجتمع من قيود المكان والزمان المحلي والوطني والبطيء وشبه السكوني، الذي طالما عشنا في كنفه خلال العشريات الثلاث الأولى من الاستقلال، فوجدنا أنفسنا منذ سنة 1989م نسبح في محيط كوكبي تتداعى أمام موجاته حدود وأركان عتيدة عديدة، لتنفتح آفاقنا على عالم متلاطم يتحرَّك بوتيرة الزمن العالمي الحقيقي، فكانت الدهشة والفزع، وبدأنا من جديدة معاناة رحلة البحث عن معالم جديدة لبناء مجتمع "محلي" و"وطني" متكيِّف مع التغيُّرات الانقلابية التي تفصح عنها مختلف أنماط وأشكال العولمة: اقتصادية، إعلامية، سياسية، علمية، تكنولوجية، بيئية، روحية، عسكرية، اجتماعية …
2 - التحول الليبيرالي (اقتصاديًّا وسياسيًّا):
ومما تعنيه العولمة بالنسبة لنا أيضًا تلك الدوامة التي عاشتها وتعيشها بلادنا منذ 1985 وخاصَّة خلال التسعينيات: مع انهيار النفط، السلعة الوحيدة التي يقتات منها شعبنا الحديث الاستقلال، الذي يُنتج بشرًا أكثر ممَّا ينتج ما يعيش به البشر. صاحبت ذلك توترا الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعددية الأحزاب (الانتقال إلى الديمقراطية)، مع آلام التحول إلى اقتصاد السوق الرأسمالية المتعولمة، بعد 25 سنة من التخطيط المركزي الاشتراكي، فكانت عملية "الجراحة بالصدمة" على الاقتصاد الوطني التي أمَّمتها مؤسسة "الأفامي" أحد الرموز المؤسساتية للعولمة، من خلال فرض برنامج التعديل الهيكلي وجدولة المديونية الجزائرية خاصَّة ما بين سنوات (1994 - 1998). ومازلنا نترقب ما سيحدثه ببنياتنا الاجتماعية، اتفاق الشراكة من أوروبا وكذا الانضمام المرتقب إلى منظَّمة التجارة العالمية في آفاق 2010م، حيث ينتظر أن تقام منطقة التبادل الحر الأورو-متوسطية والعربية.