واقعية التصور الإسلامي في نثر أبي اليقظان لمحمد زغينة
الجزء ١ · صفحة ٦إنَّه قمة التفكير الإسلامي الواقعي في مجال العبودية والولاء، إذ لا يكون الولاء إلاَّ لله، ولا يمكن للبشر مهما أوتُوا من قوَّة من ضرِّ الفرد أو نفعه.
كما يؤمن بأنَّ ثمار الإيمان عظيمة، وشجرة الإيمان أعظم وأنفع الأشجار في ساعات العسرة والأيام المصائب وشدائد الليالي، لأنَّ «السعادة كل السعادة في الإيمان الصحيح والشقاوة كل الشقاوة في الإيمان الزائف» (27).
فالإيمان في رأيه هو الذي نميز به الإنسان عن أخيه الإنسان، لأنَّه يرفع إلى الأسمى، ويدفع إلى الأفضل، ولذا وجب على من يتصدَّى للإصلاح أن: «يطهِّر قلبه قبل كلِّ شيء من الأوساخ والأدران ليُصفِّه من أوضار الشوك، والخزعبلات، أمَّا أن يشتغل بفرعٍ من فروع الإصلاح وإيمانُه ملوَّث بأدران الشكوك والإلحاد وخرافات الدجاجلة والمشعوذين، فهو كمن يطلب سكَّرًا من بزر الحنظل» (28).
وعلى العموم لا يمكن لنا أن نفصل صفة الواقعية الإسلامية في أدب أبي اليقظان، لأنَّه كان رجلا مؤمنا بـ «التعبير الناشئ عن امتلاء النفس بالمشاعر الإنسانية» (29)، لأنَّ الأدب هو «كلمة طيِّبة تنبع من ضمير الإنسان ووعيِه وفكرِه ومشاعِرَ صادقة أصيلة معبِّرة موحية» (30).
ولذلك كانت مقالاتُه الكبرى تصرخ بعناوين إسلاميَّة كبرى من مثل: «من أين نستورد الرجال؟» (31)، «صولةُ الحقِّ العتيد» (32) «سُقيَا لكم يا أنصار الحقِّ» (33) «مُصاب الإسلام العظيم» (34) «أهكذا الإسلام» (35) «الإسلامُ بين شِقَّي المقراض» (36) «الإسلامُ وسياسة الحلفاء» (37) «الدينُ والإلحاد» (38) «كيف يفهمون الدين» (39) «أمات الرجال أم رُفِع القرآن؟» (40) … الخ.
لا يمكن أن نتتبع الروح الواقعية الإسلاميَّة في أدب أبي اليقظان، لأنَّ الإسلام هو المنبع الذي يغرف منه، والمعين الذي يستقي من معالمه، ولذا كان الإسلام هو المهيمن على أدبه بل القلب النابض في كلِّ كتاباته، والمصدر الثري لأنَّه لا يرى «أنَّ الإسلام هو طهارة وصلاة وزكاة وصيام وإلى ما ذلك، ثم تخريب بقية أركان الدين وزعزعة أُسسه … وسلبُ حرية الأبرار وإطلاق العنان للفجار» (41).
ولكنَّه يفهم الدين فهمًا واسعًا أبعد مدىً إذ يفضي بمجموعه إلى السعادة الحقَّة (42)، لأنَّه من الذين يؤمنون بأنَّ الإسلام دينٌ وشريعةٌ وسلوكٌ ونظامُ حياة.
وعلى العموم فإنَّ هذه هي سمة أدب أبي اليقظان الإسلاميَّة الواقعية بصفة عامَّة، وسمة فكر الرجال الرساليِّين الذين حرَّروا أوطانهم وعلَّموا أممهم، ورفعوا راية الجهاد عالية عبر العصور، ولا عجب في ذلك فهو أديب ومفكِّر وعى حركة الفكر الحديث وصراعه، دعا إلى الفعالية والاتِّحاد، والتمسُّك بالأصالة مع التفتُّح على المعاصرة، تحصينًا للأمة بموروثاتها الحضارية فكان بذلك علَمًا من أعلام الجزائر، ورائداً من روادها المصلحين، مؤسِّسًا فعَّالا لحركة جمعية العلماء المسلمين