واقعية التصور الإسلامي في نثر أبي اليقظان لمحمد زغينة
الجزء ١ · صفحة ٥لنفسه حدًّا يقف عنده، يقترف جرائم ويرتكب الموبقات، وهو يهزأ ويلعب، وإن أصابت مقاتل دينه وعرضه وشرفه؛ تهتك حرمة دينه فيصفِّق طرباً كأنما نكل من عدوه، ويخون قوميته فيطير تيهاً وعجبًا كأنَّما لبس تاجًا من العزَّة … » (21).
ونتيجة لهذا التصوُّر الإسلامي الواقعي فهو يرى أنَّ أهم أسباب زوال الأمم واندثارها هو ضعف الإيمان بالله سبحانه وتعالى، يقول: «إذا أصيبت الأمَّة في إيمانها الصادق، وشعورها النامي، وإحساسها الفائز، ولم تكن للحقِّ فيه كلمة، ولا للعلم قيمة، ولا للفضل منزلة، ولا لأصحاب الحقِّ مقام، وكان المقام الأوَّل فيها للباطل، والمكانة الرفيعة لذوي المال والوجاهة والخلاعة، فبشِّرها بالاضمحلال والزوال»، هكذا يتصوَّر زوال الأمَّة غير المؤمنة، ولذلك يركز على الإيمان تركيزاً كبيراً في شتَّى مناحي الحياة، فيقول: «وهل أصاب المسلمين ما أصابهم وخصوصًا في العصور الأخيرة إلاَّ لضعف تلك العقيدة ووهنها من نفوسهم» (22).
ولهذا كتب مقالات كثيرة ساخنة تدعو إلى التحرُّر من العبودية الاستعماريَّة عن طريق الإيمان بالله وحده لا شريك له، لأنَّ هذا وحده هو الذي يحرِّر العبد من الخوف، ومن نفسه، وممن يحيطون به، ولهذا يقول عن القضاء والقدر: «فالذي يؤمن أنَّ لا نفع إلاَّ ما كتبه الله له، ولا ضارَّ إلاَّ ما كتبه الله عليه، لا يحيله إقدامه ولا يردُّه عنه إحجامه، فمن أين يتسرَّب له الجبن والخوف؟» (23). لأنَّ أبا اليقظان يؤمن بأنَّ «الإيمان بالقضاء والقدر - حقا - يجعل الإنسان صابراً على المصائب والمحن والنكبات، ولكنَّه لا يجعله خاضعاً لظلم العبد وعسفه وجبروته، بل كلَّفه الله سبحانه أن لا يخضع لغيره ولا يدين لقوة سواه» (24).
إنَّ هذا التصور الإسلامي الواقعي، وهذه الروح الدينية التي تشعُّ من بين سطور كتابات أبي اليقظان كان الهدف الأساسي منها هو توجيه الشعب الجزائري ليتحرَّر من عبودية الظلم والاستعمار، ولذا كانت الدعوة باسم الإسلام إلى الثورة على فرنسا أو أوروبا كما يسمِّيها في بعض مقالاته يقول: «إنَّ غضب أوروبا مهما اشتد وبلغ في الغليان فإنه لا يتجاوز هذه الحياة الفانية إلى الحياة الباقية، وليس هو في هذه الحياة الدنيا إلاَّ شرارة ضئيلة بالنسبة لغضب الله، وهذه الشرارة لا يعود لها أثرٌ متى أرسل الله شعاعًا من رضائه على عبده؛ شعاعٌ واحدٌ من رضائه تعالى لعبده يطفئُ كامل حريق غضب أوروبا، وكلُّ رضا أوربا لا يطفئُ شرارة واحدة من غضب الله» (25).
إنَّ أبا اليقظان إذ يدعو إلى الثورة على الغرب باسم الإسلام فإنه في الوقت نفسه يتعجَّب من أولئك المسلمين الذين يخافون فرنسا، فيقول بكلِّ مرارة وأسى: «يخاف المرء من حبس يوم واحدٍ ممن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا يخاف من حبسه مدَّة العمر ممن الأرضُ والسماءُ في قبضته؛ وهنا نهاية قصور النظر وسوء التفكير» (26).