التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مواعظ وتعاز وأشعار

الجزء ١ · صفحة ٥٢

وكتب إليه الوليد يعزيه عن محمد بن يوسف ويحثه على الصبر فكتب إليه: كتب إلي أمير المؤمنين يعزيني عن محمد بن يوسف ويذكر رضاه عنه، ويأمرني بالصبر، وكيف لا أصبر وقد أبقى الله لي أمير المؤمنين ؟.

وتحدث المدائني عن يونس بن حبيب قال: كان الحجاج إذا سمع نوحاً في دار هدمها. فلما مات ابنه وأخوه كان يعجبه أن يسمع النوح، وكان يتمثل بشعر الفرزدق: الطويل

هل ابنك إلاّ من بني الناس فاصبري … فلن يرجع الموتى حنين المآتم

قال أبو العباس: حدثني التوزي قال: سمعت أبا زيد ينشد خنين المآتم. وكان يتمثل أيضاً بشعر ليزيد بن الحكم الثقفي: الطويل

إن تحتسب تؤجر وإن تبكه تكن … كباكيةٍ لم يحي ميتاً بكاؤها

ومن شرّ حظّي مسلمٍ من حميمه … بكاءٌ وأحزانٌ قليلٌ جداؤها

وتحدث المدائني عن عوانة قال: أرسل الحجاج إلى علي بن ثابت بن قيس الأنصاري فقال: أنشدني مرثيتك ابنك فأنشده: المنسرح

يا كذّب الله من نعى حسناً … ليس لتكذيب نعيه ثمن

أجول في الدّار لا أراك وفي الدّ … ار أناسٌ جوارهم غبن

كنت خليلي وكنت خالصتي … لكلّ حيٍّ من أهله سكن

بدّلتهم منك، ليت أنّهم … أمسوا وبيني وبينهم عدن

فقال الحجاج: ارث ابني محمداً، فرثاه. فقال الحجاج: مرثيتك ابنك أجود. قال: إن قلبي وجد على ابني ما لم يجد على ابنك. قال: كيف كان حبك له ؟ قال: لم أمل من النظر إليه، ولم يغب عني إلا اشتقت إليه قال: كذاك كنت أجد بابني محمد. وقال الفرزدق: البسيط

إنّي لباكٍ على ابني يوسفٍ عمري … ومثل هلكهما للدّين يبكيني

ماسدّ حيٌّ ولا ميتٌ مسدّهما … إلاّ الخلائف من بعد النّبيئين

وقال أيضاً: الكامل

إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلها … فقدان مثل محمّدٍ ومحمّد

ملكان قد خلت المنابر منهما … أخذ المنون عليهما بالمرصد

وأخبر المدائني عن سلمة بن عثمان وغيره أن الحجاج جزع على ابنه محمد، فقيل لرجل من بني عقيل كان الحجاج قتل ابنه: إن الحجاج شديد الجزع على ابنه محمد وقد أتته وفاة أخيه محمد بن يوسف، فتمثل العقيلي: الطويل

ذوقوا كما ذقنا غداة محرّقٍ … من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب

وتحدث المدائني عن إسحاق بن أيوب عن مطير، مولى يزيد قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج يعزيه عن أخيه محمد بن يوسف فكتب إليه الحجاج: ما التقيت أنا ومحمد بن يوسف مذ كذا وكذا عاماً، وما غاب عني غيبة أنا، لطول اللقاء فيها أرجى من غيبته هذه في دار لا نفترق فيها.

وقال ابن كناسة: مات محمد بن الحجاج ونعي محمد بن يوسف في جمعة فخطب الحجاج الناس فقال: إن محمد بن الحجاج ومحمد بن يوسف ماتا في جمعة فكأن الباقي منا ومنكم قد فني، وكأن الحي منا ومنكم قد بلي، وتدال الأرض منا ومنكم فتأكل من لحومنا كما أكلنا من ثمارها، وتشرب من دمائنا كما شربنا من أنهارها، ولنجدنها كما قال الله تبارك وتعالى ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون.

وقال عوانة بن الحكم: لما مات محمد بن الحجاج وأتاه نعي أخيه بعث إلى مالك ابن أسماء وهو في السجن فقال: أنشدني مرثيتك أخاك فأنشده: الخفيف

أقطع اللّيل زفرةً ونحيبا … ولما قد لقيت أمسي كئيبا

أذكر اليأس من بقائك في الدّن … يا وعهداً منّا ومنك قريبا

يوم أدعوك للخطوب ولو … يسمع داعيك من دعا لأجيبا

قال: وأنا، والله، لو أسمعتهما النداء لأجابا.

وقال إبراهيم بن سعد: سمع علي بن الحسين واعيةً من بيته وهو في مجلسه وعنده جماعة، فنهض إلى منزله فسكتهم ثم خرج إلى مجلسه فقالوا له: أمن حدث كانت الواعية ؟ فقال: نعم، ابن لي، فعزوه وتعجبوا من صبره. فقال: إنا أهل بيت نطيع الله جل ذكر فيما نحب ونكره، ونحمده، فإذا نزل مكروه حمدنا واحتسبنا.

قال أبو القاسم بن قيس العامري: لما دفن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه فاطمة صلوات الله عليها، تمثل عند قبرها: الطويل

٥٢ / ٧٩