التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مواعظ وتعاز وأشعار

الجزء ١ · صفحة ٥٣

وإنّ افتقادي واحداً بعد واحدٍ … دليلٌ على ألاّ يدوم خليل

وتمام هذا الشعر:

ذكرت أبا أروى فبتّ كأنّني … بردّ الأمور الماضيات وكيل

لكلّ اجتماعٍ من خليلين فرقةٌ … وكلّ الذي دون الفراق قليل

وإنّ افتقادي واحداً بعد واحدٍ … دليلٌ على ألاّ يدوم خليل

وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه للأشعث بن قيس وعزاه عن ابن له: يا أشعث، إن تجزع على ابنك فقد استحقت ذلك منك الرحم، وإن تصبر ففي الله الخلف. يا أشعث، إنك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت موزور.

وكان علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه يقول إذا عزى: إن تجزعوا فالرحم أهل ذلك منكم، وإن تصبروا ففي ثواب الله خلف من المصيبة. عظم الله أجركم.

وعزى رجل رجلاً عن ابنه فقال: ذهب أبوك وهو أصلك، وذهب ابنك وهو فرعك، فما حال الباقي بعد أصله وفرعه ؟ وعزى رجل رجلاً فقال: ما كان لك في الآخرة أجراً خير لك مما كان في الدنيا سروراً.

وقال موسى الهادي لإبراهيم بن سلم وعزاه عن ابنه: أيسرك وهو يلية وفتنة، ويحزنك وهو صلاة ورحمة ؟.

وقال سعيد بن عبد الله: قال الحسن لرجل عزاه عن ابنه: إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه. فلا تجمع، إلى ما أصبت به، الفجيعة بالأجر فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكأ المرزئتين لك.

وقال أبو الحسن المدائني: لما هلك يزيد بن الصعق ورثه معية ابن يزيد قدره وجفنته فقالت ليلة بنت يزيد: الطويل

يزيد أبا قيسٍ وهل تسمعنّه … وعندك تعبيرٌ لو أنّك تسمع

لأصبح ما جمّعت من كلّ صالحٍ … معيّة يعطي النّاس منه ويمنع

فلا تأمننّ الدّهر شيئاً رأيته … ولا أن يسوق النّاس عبدٌ مجدّع

وقال سعيد بن قيس المحاربي: الوافر

أبادر قسمة الشّركاء مالي … إذا حسبوا وهم حولي قعود

وقالوا: حقّنا الثّلثان منه … وقد صدقوا لعمري أو يزيدٌ

تقول عجوزهم في ذاك سهمي … بلى وبسهمك العين الشديد

وكانت قبل تملكه جميعاً … تعنيّ باليدين كما تريد

وقالت المحياة بنت طلق الجشمية، من بني تيم اللات بن ثعلبة في الإسلام، وجاء العصبة يقتسمون دارها التي كانت لزوجها، فسمعت أصواتهم فقالت: السريع

يا دعوةً ما دعوتي عامراً … بالله لو يسمعني لاستجاب

تالله لو يسمع دعواهم … لفلّهم عنّي بظفرٍ وناب

فرجعوا عنها وغبروا حيناً ثم عادوا، فقالت: الطويل

لقد بدّلت دار الأحبّة بعدهم … موالي منهم ملحقون وتابع

فلو أنّ داراً أعولت فقد أهلها … بكت دارنا والتحّ منها المسامع

فرجعوا فمكثوا ثم عادوا، فقالت: مجزوء الكامل

الدّار تبكي أهلها … وبكاؤها شيءٌ عجيب

فيقال: إنهم تركوها لها.

قال المدائني: توفي ابن لخالد بن صفوان يكنى أبا الحصين فقال: رحم الله أبا الحصين. والله إن كان، ما علمته، لبراً بوالديه، وصولاً لرحمه بعيداً مما يقرف به الشبان.

قال أبو العباس: وحدثت بهذا الخبر على غير هذا. إنه توفي ابن له يقال له نعيم فقال: لا أنسى نعيماً أبداً. وفي هذا الخبر: ولقد ذكرت عند موته قول الشاعر يعني أبا خراش الهذلي: الطويل

فوالله لا أنسى قتيلاً رزئته … بجانب قوسى ما مشيت على الأرض

ثم علم أنه سينساه فقال:

بلى إنّها تعفو الكلوم وإنّما … نوكل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي

وقال أبو الحسن في أخبار الطاعون: الذي بلغنا من خبر الطاعون أن الناس لا يجزعون فيه على موتاهم كجزعهم في غير الطاعون، وذلك لتأسي الناس بعضهم ببعض، ولما يدخلهم من الخوف، فكل إنسان يخاف على نفسه فيسلو عن الولد والأهل والقرابة.

وقال: وكانت الطواعين المشهورة العظام في الإسلام بالعراق خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن في سنة ست من الهجرة.

٥٣ / ٧٩