التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مواعظ وتعاز وأشعار

الجزء ١ · صفحة ٥٤

والطاعون الجارف سنة تسع وسبعين في شوال. هلك في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفاً. مات لأنس بن مالك فيه ثلاثة وثمانون ابناً ويقال: وسبعون. ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً، وهرب عبيد الله بن عمير، مات له ثلاثون ابناً، وإنما هرب بهم من الطاعون. وقال البراء المازني: مات في الطاعون لصدقة بن عامر المازني سبعة بنين في يوم واحد، فدخل، فوجدهم قد سجوا جميعاً، فقال: اللهم، إني مسلم مسلم.

وقال محمد أبو عبد الله التميمي: هرب المرقع بن العلاء، أحد بني ربيعة ابن مالك بن زيد مناة، من الطاعون، وله اثنا عشر ابنا، فماتوا جميعاً، فدفنهم في سفح سنام فرثاهم فقال: الوافر

دفنت الدّافعين الضّيم عنّي … برابيةٍ مجاورةٍ سناما

أقول إذا ذكرتهم جميعاً … بنفسي تلك أصداءً وهاما

فليت حمامهم إذ فارقونا … تلقّانا وكان لنا حماما

فلم أر مثلهم هلكوا جميعاً … ولم أر مثل هذا العام عاما

قال: أنشدني الرياشي ثلاثة أبيات منها ولم ينشدني الرابع.

وقال علي بن القاسم: حدثني رجل قال: رأيت في المنام أيام الطاعون كأنه أخرجت من داري اثنتا عشرة جنازة وأنا وعيالي اثنا عشر، فمات منا أحد عشر وبقيت وحدي، فقلت في نفسي: أنا تمام العدة، فخرجت من الدار ثم رجعت من غد إليها فإذا لص قد دخل للسرقة فطعن في الدار فمات، فأخرجنا جنازته.

قال أبو الحسن: بلغني أن رجلاً نبش في الطاعون قبراً فأخرج الميت من قبره وأخذ ثيابه فطعن من ساعته فمات فوجد والثياب معه.

وقال سليمان بن قحذم: خرجت في الطاعون الجارف إلى مكة، ودارنا مشحونة، فرجعت وقد خلت، فقال لي أبي: يا بني، ما بقي في الدار أحد ممن تركت غيري وغير أمي جدتك.

وقال معاذ التمار: بلغني أن دوراً كثيرة مات أهلها. فلما قدم الحجاج هدمها مخافة أن يكمن فيها الخوارج، واشترى الناس دوراً كثيرة فدفنوا فيها.

قال: بلغني أن داراً مات أهلها جميعاً، أغلقوا بابها وفيها صبي صغير رضيع لم يعلموا به، فلما خف الطاعون فتحوا الباب بعد أشهر فإذا صبي يحبو، فتعجبوا منه، فإذا كلبة تطفر إلى الدار فتربض ناحية ويحبو إليها الصبي فيشرب من أطبائها ثم تطفر الحائط إلى خارج. فلم يزل ذلك دأب الصبي حتى حبا حبواً.

قال: وأخبرت أن الدار كانت تصبح وفيها خمسون، وتصبح الغد وليس فيها واحد.

قال: وكان الرجل بعد الطاعون يلقى المرأة، فلو شاء أن يغصبها نفسها فعل قبل أن يمر أحد.

ثم خف الطاعون وخليفة مصعب بن الزبير على البصرة سنان بن سلمة الهذلي فخطب الناس فقال: اتقوا الله أيها الناس فإن عند الله أياماً مثل شوال. قال وكان طاعون القينات في شوال سنة سبع وثمانين، مات فيه الجواري.

ثم كان طاعون سنة إحدى وثلاثين ومئة في رجب فاشتد في شهر رمضان فكان يحصى في سكة المربد في كل يوم عشرة آلاف جنازة، أياماً، وخف في شوال.

وقال طارق: أخبرني رجل قال: تزوجت امرأة فدخلت بها ليلة الاثنين، وأصبحت غادياً من عندهم وهي عند أبيها وأمها وأختها وخادمهم، فعدت إليهم يوم الجمعة فلم يبق منهم أحد.

وهرب من الطاعون علي بن زيد بن جدعان إلى السيالة، وكان يجمع كل جمعة ويرجع. فكان إذا جمع صاحوا به: فر من الطاعون، فطعن فمات بالسيالة وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد بن رباط إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن الفقيمي: الطويل

لمّا استفزّ الموت كلّ مكذّبٍ … صبرت، ولم يصبر رباطٌ ولا عمرو

ورأى نافع رجلاً قد خرج من البصرة على حمار فرقاً من الطاعون، وكان نافع يعرفه فقال: انظروا يفر من الله على حمار.

وكان ابن شبل بن معبد البجلي بشيراز فمات أهله بالطاعون فبلغه، فجزع عليهم فقال: الطويل

سما لك في شيراز همٌّ فلم تنم … غريباً كما بعض الرّجال غريب

برتني صروف الدّهر من كلّ جانبٍ … كما ينبري دون اللّحاء عسيب

أقول لأصحابي وقد قذفت بنا … نوى غربةٍ عمّن نحبّ شطوب

متى العهد بالأهل الّذين تركتهم … لهم من فؤادي بالعراق نصيب

وهل ترك الطاعون لي من قرابةٍ … إليه إذا كان الإياب أؤوب ؟

٥٤ / ٧٩