التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مواعظ وتعاز وأشعار

الجزء ١ · صفحة ٥٥

وكنّا نرّجي أن نصير إليهم … فغالتهم من دون ذاك شعوب

مقادير لا يغفلن من كان يومه … لهنّ على كلّ الأنام رقيب

سقين بكأس الموت من قد أصبنه … وللحيّ من أنفاسهنّ ذنوب

فقد أصبحوا لا دارهم منك غربةٌ … بعيدٌ ولا هم في الحياة قريب

وهوّن عنّي بعض وجدي أنّني … رأيت المنايا تغتدي وتثوب

وأنّي رأيت النّاس أفنى كرامهم … حودث، كلّ العالمين تصيب

وما نحن إلاّ منهم غير أنّنا … إلى أجلٍ ندعى له فنجيب

وقال أبو عبد الرحمن العجلاني عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: هلك في طاعون عمواس من آل الوليد بن المغيرة عشرون فتىً، ومن آل صخر مثلهم. فقال رجل منهم: السريع

من ينزل الشّام ويعرس به … فالشّام إن لم يفننا كارب

يقول: إن لم يفننا فهو يقارب ذلك. يقال: كرب الشيء يكرب إذا قرب.

أفنى بني صخرٍ وفرسانهم … عشرين لم يطرر لهم شارب

ومن بني أعمامهم مثلهم … لمثل هذا العجب العاجب

طعناً وطاعوناً مناياهم … ذلك ما خطّ لنا الكاتب

واستشهد بالشام من بني المغيرة سبعة وسبعون رجلاً في وقعة، فقال خالد بن الوليد بنفسي أنتم زعم ابن حنتمة يعني عمر بن الخطاب رحمه الله أن بني المغيرة لا يستشهدون.

وقال المدائني: كان بالكوفة طاعون سنة خمسين، فقال المغيرة بن شعبة لأبي موسى: انطلق بنا. فخرج إلى دابق من الطاعون فقال أبو موسى: إلى الله أبق لا إلى دابق، فخرج المغيرة. فلما خرج خف الطاعون فقيل له: لو رجعت إلى أهلك ! قال: ما يريدون مني ؟ فلم يزالوا به حتى أقبل إلى الكوفة، فقال: كأنكم بالطاعون قد ختلني في خصاص بني عوف، فطعن فمات. واستخلف على الكوفة جرير بن عبد الله البجلي وقال أبو إسماعيل عن مجالد عن الشعبي أن صديقاً لشريح خرج هارباً من الطاعون، فأقام بالنجف فكتب إليه شريح: إن المكان الذي أنت به بعين من لا يفوته طلب، ولا يعجزه هرب، والمكان الذي خلفت لا يعجل امرءاً إلى حمامه قبل أجله، ولا يظلمه أيامه، وأنت وهم على بساط واحد، وإن النجفة من ذي القدرة لقريب.

وقال أبو عاصم من ولد عباد بن زياد: كانت الطواعين بالشام كثيرةً وكانت الخلفاء وأبناء الخلفاء يتبدون ويهربون من الريف فينزلون البرية خوفاً من الطاعون. فلما أراد هشام بن عبد الملك أن ينزل الرصافة قيل له: يا أمير المؤمنين، لا تجزع فإن الخلفاء لا يطعنون، ولم نسمع بخليفة طعن ولم نره. قال: أتريدون أن تجربوا في ؟ فتحول فنزل الرصافة وهي برية، وبنى فيها قصرين.

قال: وكان عبد العزيز بن الوليد ينزل أسيساً فقدم على أبيه بدمشق غلام للوليد فقال الوليد لابنه عبد العزيز: يا بني، ارجع إلى منزلك. قال: أبيت الليلة ثم أغدو. قال عزمت عليك إلا رجعت. فرجع ولم يدعه يبيت قال أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء: إن رجلاً من أهل البصرة أيام الطاعون الجارف لما رآه قد كثر أراد الهرب، فعمد إلى حمار له فجعل عليه متاعه، وغلام له يناوله جهازه، والغلام يرتجز: مشطور الرجز

لن يبق الله على حمار … ولا على ذي ميعةٍ مطّار

قد يصبح الله أمام السّاري

فقال له الرجل: صدقت. ثم حط رحله وأقام، فمات فيمن مات.

قال المدائني: قال الحسن البصري وذكر عنده الطاعون : ما أحسن ما أبلى الله فيه: ارتدع مذنب، وأنفق ممسك، ولم يغلط بأحد.

وقال أبو الحسن المدائني عن جناب بن موسى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما احتضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فخيره بين البقاء في الدنيا وبين المصير إلى رحمة الله أو رفعه إليه وتعجيل ما وعده فقال صلى الله عليه وسلم: بل الرفيق الأعلى. فكان يقول ذلك حتى قضى، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته.

وأخبر المدئني عن شعبة عن سعيد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة، رحمها الله، قالت: كنت أسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يخير، فسمعته يقول صلى الله عليه وسلم في مرضه: الرفيق الأعلى، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فظننت أنه خير فاختار الآخرة.

٥٥ / ٧٩