التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مواعظ وتعاز وأشعار

الجزء ١ · صفحة ٥٦

وقال خلاد بن عبيدة عن علي بن زيد عن الحسن قال: قيل لأبي بكر في مرضه: لو أرسلت إلى الطبيب ! فقال: قد رآني. قالوا: فما قال لك ؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. وفي رواية: إني أفعل ما أشاء.

وقال: أبو محمد الناجي عن الحسن: إن أبا بكر، رحمه الله، سمع عائشة رضي الله عنها وهو في سكرات الموت، وهي تقول: الطويل

لعمرك ما يغني الثّراء عن الفتى … إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصّدر

فقال: يا بنية: ألا قلت وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد وقال متمثلاً: مخلع البسيط

وكلّ ذي إبلٍ مورثها … وكلّ ذي سلبٍ مسلوب

وكلّ ذي غيبةٍ يؤوب … وغائب الموت لا يؤوب

وآخر ما تكلم به: رب توفني مسلماً وألحقني بالصالحين وقال أبو بلال الأشعري عن محمد بن عاصم الأسلمي عن موسى بن عقبة المزني قال: كتب أبو بكر، رحمة الله عليه، وصيته بيده وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر الصديق عند آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث، يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب. إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فاسمعوا له وأطيعوا. فإن عدل فذلك ظني به ورأيي فيه. وإن جار وبدل فلا أعلم الغيب، والخير أردت، ولكل امريء ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

وقال عمر بن غياث عن الهلالي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفرطت عليه الحمى في وجعه الذي توفي فيه قالت فاطمة: يا بأبي وأمي. ثم تمثلت: الطويل

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل

قال: فأفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذلك قول عمك أبي طالب. ثم قال صلى الله عليه وسلم: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية.

قال أبو الحسن عن عاصم بن عمر عن عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب رحمه الله: يا أمير المؤمنين، أنت ميت في ثلاث، أجد ذلك في بعض الكتب. قال: أتجد اسمي ونسبي ؟ قال: لا، ولكن أجد صفتك وسيرتك وزمانك، فقال عمر: الطويل

توعّدني كعبٌ ثلاثاً يعدّها … ولا شكّ أنّ القول ما قال لي كعب

وما بي خوف الموت إنّي لميّتٌ … ولكنّ خوف الذّنب يتبعه الذّنب

وقال هشام بن عاصم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قال عند موته: ليتني أنجو من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا علي. يا عبد الله، ضع خدي على الأرض، ويل لعمر ولأم عمر إن لم ينجه الله.

وقال الأصمعي لما طعن العلج ألقى ملحفةً كانت عليه وقال: يا لله للمسلمين ! وقال الأصمعي أيضاً: لما طعن العلج عمر قال: وكان أمر الله قدراً مقدورا.

وقال سعيد بن مسلم عن أبيه أن عثمان بن عفان رحمه الله يوم دخل عليه فقتل، دعا بالمصحف فنشره، فكان أول حرف نظر إليه: فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، وتمثل: الطويل

أرى الموت لا يبقي عزيزاً ولم يدع … لعادٍ ملاكاً في الأمور ومرتبا

يبيّت أهل الحصن والحصن مغلقٌ … ويأتي الجبال من شماريخها العلا

وقال أبو الحسن عن سعيد بن عبد العزيز السلمي عن أبيه أن الزبير رحمه الله قال حين طعنه ابن جرموز: ما له قاتله الله يذكر بالله وينساه ! وذلك أن الزبير رحمه الله لما رآه هم به، فقال له ابن جرموز: أذكرك الله، فتركه ثم تغفله فطعنه. وتمثل الزبير: الكامل

ولقد علمت لو أنّ علمي نافعي … أنّ الحياة من الممات قريب

وقال طلحة بن عبيد الله رحمه الله يوم الجمل عند موته: مجزوء الكامل

صرف الزّبير جواده … أنّى لتدركه وفاته

ثم قال حين نزل به الموت: تالله ما رأيت كاليوم مصرع أسد أضيع، وتمثل: الطويل

أرى الموت أعداد النّفوس ولا أرى … بعيداً غداً ما أقرب اليوم من غد

وقال يعقوب بن داود الثقفي عن الحسين بن بزيغ: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمه الله خرج في الليلة التي ضرب فيها في السحر وهو يقول: الهزج

اشدد حيازيمك للموت … فإنّ الموت لاقيكا

ولا تجزع من الموت … إذا حلّ بواديكا

٥٦ / ٧٩