التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مواعظ وتعاز وأشعار

الجزء ١ · صفحة ٥٧

وضربه ابن ملجم، فقال: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد. وقال علي حين ضرب: فزت ورب الكعبة. وكان آخر ما تكلم به أن قال: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.

وقال أبو الحسن عن علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه: إن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني قميصاً فرفعته. وقلم أظفاره يوماً فأخذت قلامتها فجعلتها في قارورة فإذا مت فألبسوني ذلك القميص وقطعوا تلك القلامة واسحقوها وذروها في عيني وفمي ثم أغمي عليه، فقالت ابنته أو امرأة من أهله متمثلة: الطويل

إن مات مات الجود وانقطع النّدى … من النّاس إلاّ من قليلٍ مصرّد

وردّت أكفّ السّائلين وأمسكوا … من الدّين والدّنيا بخلفٍ مجدّد

ثم أفاق فقال لمن حضره من أهله: اتقوا الله فإن الله يقي من اتقاه، ولا واقية لمن لا يتقي الله.

وقال عوانة: لما حضرت معاوية الوفاة قال: يوم من ابن الأدبر طويل ! ثم تمثل: البسيط

لقد جمعت لكم من جمع ذي حسبٍ … وقد كفيتكم التّرحال والنّصبا

ثم قال: إنكم لتقلبون حولاً قلباً، إن نجا من كبة النار فهو الرجل.

وفي غير هذا الإسناد أنه قال حين احتضر لابنة قرظة: اندبيني فقالت: الهزج

ألا أبكيه ألا أبكيه … ألا كلّ الفتى فيه

وقال لابنتيه: قلباني، ففعلتا. فقال: إنكما لتقلبانه حولاً قلباً إن وقي كبة النار. ثم تمثل: الكامل

لا يبعدنّ ربيعة بن مكدّمٍ … وسقى الغوادي قبره بذنوب

وقال سعيد بن بشر: إن عبد الملك بن مروان ليلة قبض قلق فسمع صوت قصار فقال: ما هذا؟ فأخبر، فقال حين ثقل: ليتني كنت غالاً أعيش بما أكتسب يوماً بيوم. فقيل لأبي حازم: إن عبد الملك قال كذا وكذا. فقال: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه، ولا نتمنى ما هم فيه.

وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أن سليمان بن عبد الملك قال عند الموت متمثلاً بقول الحارث بن عباد: الرجز

إنّ بنيّ صبيةٌ صغار … أفلح من كان له كبار

إنّ بنيّ غلمةٌ صيفيّون … أفلح من كان له ربعيّون

فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى. فقالها، ثم قال: أسألك منقلباً كريماً. ثم قضى وقال مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح: تأوه طاوس في مرضه الذي مات فيه، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، شكوت ربك فقال: ليتني أخرج من مرضي هذا لا علي ولا لي.

وقال محمد بن جعفر عن أبيه: دخلت على عبد الرحمن بن الفضل ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب في مرضه فبكى وقال: أبكي لصبيات خلف هذا الستر، لولاهن لهان علي الموت. إني لمؤمن، وإني لتائب، وإن الله لغفور رحيم. قلت: رحمك الله فالذي رجوته لمغفرة ذنبك فارجه لخير بناتك. فقال: صدقت، جزاك الله خيراً.

وقال أبو الحسن عن معاوية بن محمد عن عبد الله بن بجير قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاصي لأبيه: يا أبه، كنت تقول: ليتني ألقى رجلاً عاقلاً عند نزول الموت به يحدثني ما يجد. وقد نزل بك وأنت ذلك الرجل فصف لي الذي تجد. قال: يا بني لكأن جنبي في تخت ولكأني أتنفس من سم إبرة، ولكأن غصن شوك يجر به من قدمي إلى هامتي. ثم قال متمثلاً قول أمية بن أبي الصلت: الخفيف

ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في رؤوس الجبال أرعى الوعولا

والله ليتني كنت حيضةً عركها الإماء. ثم مد يده فقال: اللهم، إني لست ذا قوة فأنتصر، ولا ذا براءة فأعتذر. اللهم إني مقر مذنب مستغفر.

وقال عوانة: قال عمرو بن العاصي عند موته: اللهم، إنك أمرتنا فلم نأتمر، وزجرتنا فلم ننزجر، فإنا لا نعتذر، ولكنا نستغفر.

وقال يعقوب بن عوف بن عبد الملك بن نوفل: لما نزل بالمغيرة بن شعبة الموت قال: اللهم، هذه يدي بايعت بها نبيك صلى الله عليه وسلم، وجاهدت في سبيلك، فاغفر لي ما يعلمون من ذنوبي وما لا يعلمون.

وقال أبو الحسن عن مسلمة بن محارب: لما ثقل زياد قدم عليه الهيثم بن الأسود النخعي بعهده على الحجاز، فقيل له، فقال: شربة من ماء أسيغها أجد طعمها أحب إلي مما جاء به الهيثم.

٥٧ / ٧٩