التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

بشيء حكي عنه

الجزء ١ · صفحة ٦٧

والمراثي وأسبابها باقية مع الناس أبداً، إذ كانت الفجائع لا تنقضي إلا بانقضاء المصائب، ولا يفنى ذلك إلا بفناء الأرض ومن عليها، ولا إله إلا الله الحي الذي لا يموت. ونحن خاتو ذلك بباب نجمع فيه من كل شيء إن شاء الله، وبه الحول والقوة. ثم نبتديء شيئاً غيره. فإن الإكثار سرف، كما أن التقصير كالعجز. وفيما أملينا بلاغ وعظة إن شاء الله تعالى.

قال عبد العزيز بن عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب يرثي أباه. وكان أبوه جليلاً من بني هاشم له أدب وعارضة وبلاغة ونجدة وبيان، فولاة أمير المؤمنين المعتصم بالله اليمن، ثم ولى بعد أن طال مكثه بها إيتاخ ذلك البلد، فولى إيتاخ عليها الشار، فحمل إليه الشار عبد الرحيم، فطالبه إيتاخ بالخراج وحبسه لامتناعه عليه، فمات في السجن بعد مدة.

وكان عبد العزيز أجل بنيه، وقد ولي الولايات، وكان شاعراً مفلقاً وخطيباً مصقعاً، فقال يرثي أباه قولاً أعرب فيه فأفصح، وأغرب فيه فلم يفحش، ولكنه خرج أحسن الخروج من كلام مبسوط ومعان مفهومة وهو قوله: الطويل

أشد أيّها النّاعي وإن كنت لا تدري … بكنه الذي تنعى من الدّين والقدر

ومن ركن أركان الملوك الذي به … تلوذ إذا حلّ الجسيم من الأمر

هوى فهوت أركان عزٍّ وأعوزت … ثغورٌ به كانت أوامن للذّعر

ومن يلبس الأقطار أمناً بذكره … ويكشف عنها طخية الذّلّ والفقر

ومن كان إن أرضٌ من المحل أظلمت … رماها بأنفى للظّلام من الفجر

بوجهٍ كأنّ البدر فوق جبينه … وبذل لهى الأموال بالنّائل الغمر

وجودٍ يبذّ المجد والجود قبله … ونور بهاءٍ كان أبهى من البدر

تزيد الليالي والخطوب ضياءه … إذا غيّر البدر المحاق من الشّهر

ويبسط بالعرف العفاة تهلّلاً … إذا كان بعض المنع بالنّظر الشّزر

فإنّك تغنى بالصّفات عن اسمه … فلم تر إلاّ عارفاً غير ذي نكر

وإنّا لمعتادو رزايا عظيمةٍ … نخاف بأدناهنّ قاصمة الظّهر

يظلّ لها منّا رجالٌ كأنّما … تعالى على أكتافها فلق الصّخر

فنصبر حتّى تنجلي غمراتها … إذا لم يكن في الصّبر عيبٌ على الحرّ

تجلّ مصيباتٌ وتعرو نوائبٌ … ولا مثل ما أنحت علينا يد الدّهر

لقد عركتنا للزّمان ملمّةٌ … أذّمت بمحمود الجلادة والصّبر

وذلك أنّ الصّبر أصبح بعده … بمن كان ذا دينٍ ومعرفةٍ يزري

فلمّا رأيت الصّبر يزري بأهله … وضاق بما قد جلّ من حدثٍ صدري

وأنّ البكا فخرٌ، بكيت بعولةٍ … عليه لكيلا يعتليني أولو الفخر

وروّحت بعد اليأس والصّبر زفرةً … تردّد ما بين الجوانح والصّدر

حنيناً كما حنّ اليراع يردّه … حيازيم ضاقت للنّشيج الذي يفري

وخلّيت أسراب الدّموع فأمطرت … بغير معيبٍ بالدّموع ولا نزر

وقلّ له منّا البكاء وقد بكت … لنا الطير لو كانت مدامعها تجري

بكى الثّقلان الجنّ والإنس فقده … وغيرهما من ساكني البرّ والبحر

وأقسم لولا خشية الله وحده … ركبت بنفسي كلّ مستصعبٍ وعر

بموتك يا عبد الرّحيم بن جعفرٍ … تزايل شعب الملك عن أفحش الكسر

وصارت بناة الدّين بعدك صدعها … يطير شظايا لا تلاءم بالجبر

بموتك مات الجود والمجد كلّه … وجدّع أنف العزّ فينا إلى الحشر

لقد هدّ ركن الدّين موتك هدّةً … أنافت لها الأعناق من أمم الكفر

وأبلس إبلاس المذلّة ديننا … وأغضى بك الإسلام عيناً على وتر

وأضحت قلوب المسلمين مريضةً … توكّف فيه مثل راغية البكر

٦٧ / ٧٩