التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

بشيء حكي عنه

الجزء ١ · صفحة ٦٩

شرب الموت منه محضه دو … ن حليبها السطور من قحطان ؟

أيّها الموت قد نهضت بحملي … ن من الذّمّ فيه والأضغان

قم بأعلى البقاع من غمدان … وبسفلى الكثيب من عسفان

هل ترى غير مجلسٍ صخب الأف … ق بباكٍ ونادبٍ ثكلان

وترى غير ذابلٍ سمهريٍّ … ركد الزّجّ في مكان السّنان

وترى غير مقرمٍ ناصل النّا … ب قليل السّموّ في الهدران

وعديمٍ يعبّ في قدح الثّك … ل هديم الخباء والبنيان

ومن المراثي المستحسنة المقدمة ونحتاج أن نذكر معها خبرها وهو أن مالك بن زهير بن رواحة بن جذيمة العبسي وكان من أشراف بني عبس، وجذيمة منهم قتل في حرب داحس. وكان جانيها أخوه قيس بن زهير، فنشبت بينهم فيما ذكر أربعين سنة. وتشاءم بهم قومهم، فوجه قيس جاريته لتعلم ما عند الربيع بن زياد العبسي أيغضب لهذا الحديث فيقوى به أو يستهين، فرأت عنده أكثر مما أحب، فرجعت إليه فقالت: سمعت عويلاً منه دون نسائه وحركةً أكثر من حركة جميع الحي، وهو يقول: الكامل

منع الرّقاد فما أغمّض حار … جللٌ من النّما المهمّ السّاري

من مثله تمسي النّساء حواسراً … فتقوم معولةً مع الأسحار

من كان مسروراً بمقتل مالكٍ … فليأت نسوتنا بوجه نهار

تأويل هذا البيت أنه إذا رأى ما يضع عليه من الجزع، علم أن ثأر مثله لا يترك.

يجد النّساء حواسراً يندبنه … يضربن أوجههنّ بالأسحار

يخمشن حرّ وجوههنّ على فتىً … سهل الخليقة طيّب الأخبار

قد كنّ يكننّ الوجوه تستّراً … فالآن حين بدون للنّظار

أفبعد مقتل مالك بن زهيرٍ … ترجو النّساء عواقب الأطهار

قوله: أفبعد مقتل مالك بن زهير، مزاحف ناقص جزءاً. وهذا في هذه العروض جائز، وهي التي يقال لها المقطوعة في الكامل. ونظيره قول حميد بن ثور: الكامل

أبلغ أمير المؤمنين فإنّه … طبٌّ يلوم المستليم ويعذر

أنّي كبرت وأنّ كلّ كبيرٍ … ممّا يظنّ به يملّ ويقبر

رجع الشعر:

ما إن أرى في قتله لذوي القوى … إلاّ المطيّ تشدّ بالأكوار

ومجنّباتٍ ما يذقن عدوفاً … يجهضن بالمهرات والأمهار

هذا مثل البيت المزاحف. يقال: ما ذقت عدوفاً ولا عداناً، ولا لماظاً ولا لماقاً. وكل هذا في معنى لم أذق شيئاً.

وفوارساً صدأ الحديد عليهم … فكأنّما طلي الوجوه بقار

ويفوز كلّ مقلّصٍ من خيلنا … سلس القياد معاقد التّكرار

حتّى نبير بذي المريقب غدوةً … بدراً ونعذر من بني سيّار

بدر: ابن عمرو الفزاري، وبنو سيار بن زبان الفزاري قتلوا ابن عمهم وحاربوهم غدراً بغير دم ولا افقار.

ولربّ مسرورٍ بمقتل مالكٍ … كلاّ وربّ البيت ذي الأسرار

حتّى نبير بمالكٍ سرواتهم … حملاً وفارسهم أبا حجّار

حمل: ابن بدر وكان من فرسانهم وشجعانهم، وهو الذي يقول فيه القائل في هذه القصة بعد أن قتل: الوافر

ولكنّ الفتى حمل بن بدرٍ … بغى والبغي مصرعه وخيم

وأبو حجار: مالك بن حمار الشمخي، وبنو شمخ من فزارة، وفزارة ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. وبنو عبس ابن بغيض بن ريث، فكان عبس وذبيان أخوين. وكانت حربهم أربعين سنة.

وحرب الأنصار الأوس والخزرج، ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر كانت أكثر من هذا فيما ذكرت الرواية وكانت لا تزال تغبر.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: دربوا لي بالحروب حتى دربوا. وقالت عائشة رضي الله عنها: قدمنا عليهم والجراح تطيف دماً من حرب بعاث.

فحرب الأنصار: حرب بعاث، وحرب ابني بغيض: حرب داحس، وحرب بكر وتغلب تسمى: البسوس.

٦٩ / ٧٩