بشيء حكي عنه
الجزء ١ · صفحة ٧٠وقال أبو ناظرة السدوسي، وكان رجلاً من أهل العلم والمعرفة بكلام العرب وحسن التصرف فيه، يرثي البصرة وأهلها بكلام عربي فصيح ينبيء أنه كلام موجع يخرج عن نية صادقة من ألفاظ رجل لا عجز يقعد به عن بلوغ الحاجة، ولا إسراف في قوله وتمحل يتجاوز به القدر: الطويل
منازلنا هل من إيابٍ مؤمّ؟لٍ … إليك، إذا ما آب كلّ غريب ؟!
وهل نحن يوماً عائدون ذوي غنىً … ومنتجعٍ للمعتفين خصيب
وآذنةٌ في كلّ حيٍّ يزينها … نقاء جيوبٍ منهم وغيوب
وحلمٌ وعلمٌ ليس بالنّزر فيهم … فلا يطون مسعاه مشوب ؟
وقل لدعاة الشّمس هل من تشهّدٍ … لوقت صباحٍ أو لوقت غروب
نجنّ ولم نظلم إليك صبابةً … تفتّت أكبادٍ لنا وقلوب
وقلّ غناءً عبرةٌ مستهلّةٌ … ترقرق من عينٍ عليك سكوب
أبى الصّبر تذكار الدّيار التي خلت … مجالسها من سوددٍ وخطوب
ومغدى ذوي الحاجات في كلّ شارقٍ … إلى كلّ مغشيٍّ الفناء مهيب
وكلّ مطاعٍ في العشيرة ماجدٍ … معينٍ على ريب الزّمان وهوب
منازل فارقن العهود ولم تكن … معاناً لناقوسٍ ولا لصليب
منازل قومٍ أسرع السيف منهم … إلى كلّ وضّاح الجبين نجيب
وكلّ فتىً يرنو إلى اللّهو والصّبا … جرورٍ لأذيال الشّباب سحوب
وكلّ صميمٍ من ذؤابة قومه … كريمٍ لغايات الكرام طلوب
أبوا أن يرى الله الهوادة منهم … لأعضه عن دين النّبيّ نكوب
فأودوا وقد عاشوا كراماً أعقّةً … على فتنٍ مرّت بهم وحروب
تغاديهم ضرباً على الهام تارةً … وذبحاً بأقسى أنفسٍ وقلوب
فكم من رحىً دارت وكم من مصيبةٍ … توالت ومن يومٍ هناك عصيب
على ألف ألفٍ من ملوكٍ وسوقةٍ … ثووا بين أبوابٍ لهم ودروب
مفلّقةٌ هاماتهم وشريدهم … شماطيط شتّى أوجهٍ وسروب
إلى غير راعٍ يرتجى النّصر عنده … ولا عطنٍ يؤوى إليه رحيب
عباديد من ناجٍ على جذم بغلةٍ … ومن رازحٍ يشكو الكلال جنيب
ومن راسبٍ طافٍ على الماء شلوه … وذي ظمإ أودى به وسغوب
فيا أرضهم أخلوك فابكي عليهم … وجودي عليهم يا سماء وصوبي
أرى كلّ قومٍ لا يزال مظنّةً … منازلهم من آيبٍ ومؤوب
سوانا فإنّا حشو كلّ مدينةٍ … وألقاؤها من نازحٍ وقريب
ذوو أوجهٍ فيها كوابٍ وأعينٍ … بواكٍ وفقرٍ ظاهرٍ وشحوب
فمن رام أن يبتاع منّا حديقةً … من النّخل أعطى درهماً بجريب
فذو العزّ منّا مستكينٌ وذو الغنى … كأن لم يكن ذا رتبةٍ وركوب
فما حلّ بالإسلام مثل مصابنا … وسلطاننا للدّين حقّ غصوب
وكنّا ولم تشقق عصانا ولم تبت … عقاربنا فينا ذوات دبيب
نميميّةٌ تسري إلينا كأنّما … تطالبنا في مصرنا بذنوب
يقصّر عن بغداد كلّ فضيلةٍ … خصصنا بها إسهاب كلّ خطيب
رجالاً ومالاً يعرف النّاس فضله … على كلّ حالٍ رائحٍ وغريب
فلا المربد المعمور بالعزّ والنّهى … وكلّ فتىً للمكرمات كسوب
ولا قصر أوسٍ والمناخ الّذي به … وما حوله من روضةٍ وكثيب
بمرتجعٍ يوماً ولا المسجد الّذي … إليه تناهى علم كلّ أديب
ولا قائمٌ لله اناء ليله … به كلّ أوّاهٍ إليه منيب
ولا عائدٍ ذاك الحزين كعهده … لكلّ مسنٍّ حوله ومهيب