بشيء حكي عنه
الجزء ١ · صفحة ٧٥فدىً لبني الشقيقة يوم جاؤوا … كأسد الغاب لجّت في الزّئير
كأنّ رماحهم أشطان بئرٍ … بعيدٍ بين جاليها جرور
كأنّا غدوةً وبني أبينا … بجنب عنيزةٍ رحيا مدير
نكرّ عليهم عوداً وبدءاً … كأنّ الخيل تنهض في غدير
وقال أيضاً يرثيه: الخفيف
طفلةٌ ما ابنة المحلّل بيضا … ء لعوبٌ لذيذةٌ في العناق
ضربت نحرها إليّ وقالت … يا عديٌّ لقد وقتك الأواقي
ما أرجّي بالعيش بعد ندامى … قد أراهم سقوا بكاس حلاق
بعد عمروٍ وعامرٍ وحييٍّ … وقتيلي صدوف وابني عناق
وامريء القيس ميّت يوم أودى … ثمّ خلّى عليّ ذات العراقي
وكليبٍ عبر الفوارس إذ ح … مّ رماه الكماة بالإيفاق
إن تحت الأحجار حزماً وجوداً … وخصيماً ألدّ ذا معلاق
من قال معلاق أراد: إذا علق خصمه بلغ منه. ومن قال مغلاق أراد: يغلق الحجة على الخصم.
حيّةٌ في الوجار أربد لا ين … فع منه السّليم نفث الراقي
وقد أطلنا القول في المراثي والتعازي وما بهما من المواعظ. وأخر بما أطيل أن يمل. وقد قال أحد المتقدمين: من أطال الحديث فقد عرض نفسه للملل ولسوء الاستماع. وقد كنا ذكرنا أشعاراً من أشعار المتقدمين، فقلنا نمليها على وجهها. ثم رجعت إلى أنها مجموعة في الكتاب الكامل على شرح جميع إعرابها ومعانيها، فإن رجعت معادةً، وهو يؤخذ من ثم. وقد أتى للقاضي رحمه الله أكثر من الحول. وقد قال لبيد:
ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
ولكنا نشيع ما قد مضى من الأخبار بأخبار طريفة من هذا الباب، وأشعار ظريفة مختصرة، ينقطع الكلام عليها إن شاء الله وبه القوة.
حدثت أن رجلاً عزى يحيى بن خالد عن حرمة له فقال: أيها الوزير، تقديم الحرم من النعم، وتمثل: الوافر
تعزّ إذا رزئت بخير درعٍ … تسربل للمصائب درع صبر
ولم أر نعمةً شملت كريماً … كعورة مسلمٍ سترت بقبر
وسمع أسماء بن خارجة الفزاري نائحة بالكوفة تقول: المتقارب
فمن للمنابر والخافقات … وللجود بعد زمام العرب
ومن للعناة وحمل الدّيات … ومن يفرج الكرب حين الكرب
ومن للطّعان غداة الهياج … ومن يمنع البيض عند الهرب
فقال: مثل هذا فليبك. ثم قال: الكامل
يأخذّ إنّك إن توّسد ليّناً … وسّدت بعد الموت صمّ الجندل
فاعمل لنفسك في حياتك صالحاً … فلتندمنّ غداً إذا لم تفعل
وقال عبد الله بن العباس: ما اتعظت بشيء بعدما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اتعظت بكتاب كتبه علي عليه السلام إلي، وكان كتابه: أما بعد. فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه. فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك. وليكن أسفك على ما فاتك من ذلك. وما نلت من الدنيا فلا تنعم به فرحاً، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً، وليكن همك لما بعد الموت.
وقال بعضهم: سمعت بكاء راهب فناديت: يا راهب، ما يبكيك ؟ فقال: أبكاني أمر عرفته فجزت عن سبيله، وقصرت في طلبه، ويوم مضى أورثني عبرته وحسرته، نقص له أجلي، ولم ينقص له أملي.
وروي أن بعض ملوك الفرس كان شديد الغضب، فكتب ثلاث رقاع، ثم وكل رجلاً حازماً من أصحابه فقال: إذا اشتد غضبي فادفعوا إلي الأولى، فإذا سكنت بعض السكون فادفعوا إلي الثانية، ثم ادفعوا إلي الثالثة، فكان في الأولى: إنك لست بالإله، إنما أنت بشر يوشك أن يموت، ويأكل بعضك بعضاً. وفي الثانية: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء. وفي الثالثة: خذ الناس بأمر الله، فإنه لا يصلحهم إلا ذلك.
وقال أبو عبد الرحمن بن عائشة: لما أتي بحجر بن عدي وأصحابه يقتل بعذراء قال: ما اسم هذه القرية ؟ قالوا: عذراء. قال: والله إني لأول فارس وعر أهلها يوم افتتحناها. فلما قرب ليقتل صلى ركعتين وأظهر جزعاً قيل له: أتجزع ؟ فقال: ولم لا أفعل ؟ كفن منشور، وسيف مشهور، وقبر محفور، ولست أدري أيؤديني إلى الجنة أم إلى نار.