التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

بشيء حكي عنه

الجزء ١ · صفحة ٧٧

فلو أنّ الأيام أخلدن حيّاً … لعلاءٍ أخلدن عبد المجيد

ما درى نعشه ولا حاملوه … ما على النّعش من عفافٍ وجود

ويح أيدٍ حثت عليه وأيدٍ … دفنته، ما غيّبت في الصّعيد

غيّبت في الصّعيد حزماً وعزماً … ولزاز الخصم الألدّ العنود

إنّ عبد المجيد يوم تولّى … هدّ ركناً ما كان بالمهدود

هدّ ركني عبد المجيد وقد كن … ت بركنٍ منه أبوء شديد

حين تمّت آدابه وتردّى … برداءٍ من الشبّاب جديد

وسمت نحوه العيون وما كا … ن عليه لزائدٍ من مزيد

وكأنّي أدعوه وهو قريبٌ … حين أدعوه من مكانٍ بعيد

ولئن كنت لم أمت من جوى الحز … ن عليه، لأبلغن مجهودي

لأقيمنّ مأتماً كنجوم … اللّيل زهراً يلطمن حرّ الخدود

موجعاتٍ يبكين للكبد الحرّ … ى عليه وللفؤاد العميد

ولعينٍ مطروفةٍ أبداً قا … ل لها الدّهر: لا تنامي وجودي

كلّما عزّك البكاء فأنفد … ت لعبد المجيد سجلاً فعودي

لفتىً يحسن البكاء عليه … وفتىً كان لامتداح القصيد

فكل هذه الأبيات غرة، ولقد بلغني بلاغاً إخاله صحيحاً أن عبد المجيد كان للمدح حياته موضعاً، وللمراثي بعد موته مستوجباً، عفافاً وجمالاً وأدباً وشباباً.

وقال القائل: البسيط

وإنّ أحسن بيتٍ أنت قائله … بيتٌ يقال إذا أنشدته صدقا

وأحسن من ذلك وإن جل قدر المؤمن بكاء الرجل على نفسه وإن كان حياً، لما يتوقعه. كما قال إسماعيل بن القاسم: السريع

كم سترى في النّاس من هالكٍ … وهالكٍ حتّى ترى هالكا

فهذا مأخوذ مما يروى أن الصديق رحمه الله كان يكثر إنشاده وهو: مجزوء الكامل

تنفك تسمع ما حيي … ت بهالكٍ حتّى تكونه

والمرء قد يرجو الرّجا … ء مغيّباً والموت دونه

ومع قوله هذا: السريع

أصبحت الدّنيا لنا عبرةً … والحمد لله على ذلكا

اجتمع النّاس على ذمّها … وما ترى منهم لها تاركا

ومثله قوله: الطويل

ننافس في الدّنيا ونحن نعيبها … وقد حذّرتناها لعمري خطوبها

وما نحسب السّاعات تقطع مدّةً … على أنّها فينا سريعٌ دبيبها

كأنّي برهطي يحملون جنازتي … إلى حفرةٍ يحثى عليّ كثيبها

وباكيةٍ حرّى تنوح وإنّني … لفي غفلةٍ عن صوتها لا أجيبها

وإنّي لممّن يكره الموت والبلى … ويعجبني روح الحياة وطيبها

فحتّى متى حتّى متى وإلى متى … يدوم طلوع الشّمس لي وغروبها

أيا هادم اللذّات ما منك مهربٌ … تحاذر نفسي منك ما سيصيبها

رأيت المنايا قسّمت بين أنفسٍ … ونفسي سيأتي بعدهنّ نصيبها

وقال منصور النمري يرثي يزيد بن مزيد:

متى يبرد الحزن الذّي في فؤاديا … أبا خالدٍ من بعد ألاّ تلاقيا ؟!

أبا خالدٍ ما كان أدهى مصيبةً … أصابت معدّاً يوم أصبحت ثاويا

أبا خالدٍ لا بل عممت بنكبةٍ … فتبكي معدٌّ والقبيل اليمانيا

وناعٍ غدا ينعى يزيد بن مزيدٍ … فقلت له: أصبحت للجود ناعيا

أعينيّ جودا بالدّموع وأسعدا … بعبرة محزونٍ بكى لبكائيا

سمعت بكاء النائحات بسحرةٍ … فهيّجن أحزاناً غلبن عزائيا

ألا عذر الله العيون البواكيا … وقد عاينت يوماً من الدّهر شاجيا ؟

لعمري لئن سرّ الأعادي وأظهروا … شماتاً، لقد مرّوا بربعك خاليا

وخلّفت ليثي غابتين كلاهما … سيلقى الأعادي من يديه الدّواهيا

فشبهك أخلاقاً وعزّة أنفسٍ … إذا النّفس جاشت لو بلغن التّراقيا

٧٧ / ٧٩