بشيء حكي عنه
الجزء ١ · صفحة ٧٧فلو أنّ الأيام أخلدن حيّاً … لعلاءٍ أخلدن عبد المجيد
ما درى نعشه ولا حاملوه … ما على النّعش من عفافٍ وجود
ويح أيدٍ حثت عليه وأيدٍ … دفنته، ما غيّبت في الصّعيد
غيّبت في الصّعيد حزماً وعزماً … ولزاز الخصم الألدّ العنود
إنّ عبد المجيد يوم تولّى … هدّ ركناً ما كان بالمهدود
هدّ ركني عبد المجيد وقد كن … ت بركنٍ منه أبوء شديد
حين تمّت آدابه وتردّى … برداءٍ من الشبّاب جديد
وسمت نحوه العيون وما كا … ن عليه لزائدٍ من مزيد
وكأنّي أدعوه وهو قريبٌ … حين أدعوه من مكانٍ بعيد
ولئن كنت لم أمت من جوى الحز … ن عليه، لأبلغن مجهودي
لأقيمنّ مأتماً كنجوم … اللّيل زهراً يلطمن حرّ الخدود
موجعاتٍ يبكين للكبد الحرّ … ى عليه وللفؤاد العميد
ولعينٍ مطروفةٍ أبداً قا … ل لها الدّهر: لا تنامي وجودي
كلّما عزّك البكاء فأنفد … ت لعبد المجيد سجلاً فعودي
لفتىً يحسن البكاء عليه … وفتىً كان لامتداح القصيد
فكل هذه الأبيات غرة، ولقد بلغني بلاغاً إخاله صحيحاً أن عبد المجيد كان للمدح حياته موضعاً، وللمراثي بعد موته مستوجباً، عفافاً وجمالاً وأدباً وشباباً.
وقال القائل: البسيط
وإنّ أحسن بيتٍ أنت قائله … بيتٌ يقال إذا أنشدته صدقا
وأحسن من ذلك وإن جل قدر المؤمن بكاء الرجل على نفسه وإن كان حياً، لما يتوقعه. كما قال إسماعيل بن القاسم: السريع
كم سترى في النّاس من هالكٍ … وهالكٍ حتّى ترى هالكا
فهذا مأخوذ مما يروى أن الصديق رحمه الله كان يكثر إنشاده وهو: مجزوء الكامل
تنفك تسمع ما حيي … ت بهالكٍ حتّى تكونه
والمرء قد يرجو الرّجا … ء مغيّباً والموت دونه
ومع قوله هذا: السريع
أصبحت الدّنيا لنا عبرةً … والحمد لله على ذلكا
اجتمع النّاس على ذمّها … وما ترى منهم لها تاركا
ومثله قوله: الطويل
ننافس في الدّنيا ونحن نعيبها … وقد حذّرتناها لعمري خطوبها
وما نحسب السّاعات تقطع مدّةً … على أنّها فينا سريعٌ دبيبها
كأنّي برهطي يحملون جنازتي … إلى حفرةٍ يحثى عليّ كثيبها
وباكيةٍ حرّى تنوح وإنّني … لفي غفلةٍ عن صوتها لا أجيبها
وإنّي لممّن يكره الموت والبلى … ويعجبني روح الحياة وطيبها
فحتّى متى حتّى متى وإلى متى … يدوم طلوع الشّمس لي وغروبها
أيا هادم اللذّات ما منك مهربٌ … تحاذر نفسي منك ما سيصيبها
رأيت المنايا قسّمت بين أنفسٍ … ونفسي سيأتي بعدهنّ نصيبها
وقال منصور النمري يرثي يزيد بن مزيد:
متى يبرد الحزن الذّي في فؤاديا … أبا خالدٍ من بعد ألاّ تلاقيا ؟!
أبا خالدٍ ما كان أدهى مصيبةً … أصابت معدّاً يوم أصبحت ثاويا
أبا خالدٍ لا بل عممت بنكبةٍ … فتبكي معدٌّ والقبيل اليمانيا
وناعٍ غدا ينعى يزيد بن مزيدٍ … فقلت له: أصبحت للجود ناعيا
أعينيّ جودا بالدّموع وأسعدا … بعبرة محزونٍ بكى لبكائيا
سمعت بكاء النائحات بسحرةٍ … فهيّجن أحزاناً غلبن عزائيا
ألا عذر الله العيون البواكيا … وقد عاينت يوماً من الدّهر شاجيا ؟
لعمري لئن سرّ الأعادي وأظهروا … شماتاً، لقد مرّوا بربعك خاليا
وخلّفت ليثي غابتين كلاهما … سيلقى الأعادي من يديه الدّواهيا
فشبهك أخلاقاً وعزّة أنفسٍ … إذا النّفس جاشت لو بلغن التّراقيا