التَّرابط بين النَّصِّ والمبدع
الجزء ١ · صفحة ١٥٢- الالتزام بالتَّرابط بين النَّصِّ والمبدع (1).
والتَّرابط هنا بين النَّصِّ والمبدع هو ارتباط وثيق بين الشَّكل والفعل، بين الأسلوب والعمل، بين الظَّاهر والباطن، وبين المظهر والجوهر … ممَّا ليس في جوهره … جميلاً لا يمكن بحال أن يقود إلى قيمة إيجابيَّة، بل لا يمكن أن يقدِّم إضافة حقيقيَّة للتَّجربة، في إطارها الفردي أو الحضاري … (2)، فجمال التَّعبير لا يضاف إلى الموضوع نتيجة لعمليَّة الإدراك ذاتها، وإنَّما نتيجة لارتباط هذه العمليَّة بعمليَّات أخرى، مصدرها وجود انطباعات سالفة (3)، هذه الانطباعات هي التي تحدِّد علاقة المبدع بالنَّصِّ، أو بمعنى آخر الاحتفال بالأثر العاطفي (4) داخل النَّصِّ الأدبي، الأثر الذي يتركه الأديب من خلال التَّجربة الشُّعوريَّة، ويوضِّح ذلك محمد ناصر في قوله: إنَّ الأدباء والنُّقَّاد يختلفون في هذا الطَّرح، فثمَّة من يذهب إلى عدم التزام التَّرابط بين النَّصِّ والمبدع من حيث الرُّؤية والموقف، فيجيزون للأديب أن يتغيَّر حسب الظُّروف المكانيَّة والزَّمانيَّة، كما أنَّ هناك من لا يرى التَّرابط بين المبدع والمتلقِّي واهتماماته وهكذا (5)، ويبرهن عن عدم صحَّة هذه النَّظريَّات في قوله: … وما انبثاق المذاهب الأدبيَّة من رومانسيَّة، وكلاسيكيَّة، وواقعيَّة، وعبثيَّة، وغيرها إلَّا تعبيرٌ عن رؤية صاحب الإبداع، أو موقف دفع إليه الرُّومانسي ذو الطَّبيعة الفرديَّة الأنانيَّة، والكلاسيكي ذو النُّزوع الجمعي، وداعية الفنِّ للمجتمع، وغواة (الفنّ للفنّ)، فهي في حقيقة أمرها مواقف ورؤى صارت بعد ذلك فلسفات واتِّجاهات … (6).
إنَّ تحرُّك الذَّات الإبداعيَّة داخل النَّصِّ وفق وسائل فنِّيَّة خاصَّة، تعطي بعدًا جديدًا للعمل الفنِّي، تجعله أكثر عمقًا وأبعد رؤى وأشدَّ وقعًا، الذين لا يملكون الحسَّ الكلِّي في
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي".
(2) محمد قطب: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 37.
(3) جورج سانتيانا: "الاحساس بالجمال"، ترجمة محمد مصطفى بدري، مكتبة الأسرة، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، مصر، ص 269.
(4) مصطفى ناصف: "دراسة الأدب العربي"، دار الأندلس، بيروت، ط 3، 1983 م، ص 14.
(5) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 10.
(6) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 8.