السُّموُّ الفنِّي ضرورة لازمة (التَّوازن بين الشَّكل والمضمون)
الجزء ١ · صفحة ١٧٠السَّواء، فلا يلاحظ المرء في شعره هذا الضُّعف الذي قد يلاحظه في أغلب شعر الشَّباب (1)، وهو في هذا التَّوجُّه يحافظ على مزيَّة الصِّدق، صدق العاطفة، الصِّدق في التَّصوير، والصِّدق في نقل الواقع بكلِّ جوانبه، ومع هذا الاتِّساع في الرُّؤية، وفي حدود الأدب الذي يصوِّر الحياة بكلِّ شمولها، فإنَّه يبقى داخل الإطار الإنساني، ويتقيَّد بأطر تتناسب مع كونه نشاطًا للإنسان، وهذه الأطر التي يتقيَّد بها ترجع إلى ثلاث أمور هي: حدود العقل البشري، حدود الفطرة، حدود الشَّريعة (2).
لقد شغل النَّقد اللُّغوي حيِّزًا غير يسير من مؤلَّفات محمد ناصر، وظلَّ يلاحق الأخطاء في الكلمة والمفردة والتَّراكيب والجمل والأساليب بالتَّدقيق، والتَّصويب، وذلك من منطلق حرصه على اللُّغة العربيَّة، وسلامة تراكيبها واستعمالاتها من العبث والانحراف، والالتزام بها؛ لأنَّها أهمُّ مقوِّم من مقوِّمات الأمَّة العربيَّة الإسلاميَّة، ويرى: أنَّ الشَّاعر الأصيل والمبدع معا هو الذي يستثمر اللُّغة أيًّا كانت ألفاظها ومفرداتها، قديمة أم حديثة، ومقياس الإجادة والبراعة لا يتعلَّق بالمفردات اللُّغويَّة في حدِّ ذاتها، بقدر ما يتعلَّق بالجملة الشِّعريَّة وبحر القصيدة ككلّ (3)، وهذه دعوة لتكامل النَّصِّ الأدبي شكلاً ومضمونًا، من النَّاحية الفنِّيَّة الجماليَّة، ومن ناحية المحتوى يسعى من خلالها محمد ناصر إلى ربط عناصر العمل الأدبي في نظرة تكامليَّة.
مارس محمد ناصر في أعماله الأدبيَّة هذه العناصر التي يراها الأساس في تحقيق العمل الأدبي النَّاجح (العمق، الأصالة، الصِّدق) (4)، حيث يقول عنه أحد النُّقَّاد: وسبب نجاح الشَّاعر لا يعود إلى تمكُّنه من الأدوات الفنِّيَّة وقدرته على اختيار الموضوع الذي كان أشبه بمناظرة فقط، ولكن - وبصورة مؤكَّدة - لأنَّ العاطفة التي تشكِّل تلك الأدوات كانت عاطفة صادقة، مهيمنة على المعاني والصُّور … وما يقف وراء ذلك كلّه إنَّما هو الإيمان
(1) محمَّد ناصر: "ديوان أسرار الغربة"، للشَّاعر مصطفى الغماري، مقالة، الشَّعب، مارس 1980 م.
(2) محمد حسين بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 138.
(3) محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري الحديث"، ص 426.
(4) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي".