السُّموُّ الفنِّي ضرورة لازمة (التَّوازن بين الشَّكل والمضمون)
الجزء ١ · صفحة ١٧١الذي يضيء ذلك الذي يسند النَّفس التي هي الرَّحم التي تنشأ التَّجربة الفنِّيَّة فيها وتنمو، ويسندها إلى أصل تصدر عنه كلُّ الاتِّجاهات … (1).
جمع محمد ناصر في كلِّ أعماله الأدبيَّة بين العمق في التَّجربة والأصالة، في المرجعيَّة وتوظيف اللُّغة، وصدق التَّجربة الشُّعوريَّة والتَّعبير عن الموقف محافظا بذلك على الاتِّحاد بين القيمة الموضوعيَّة والقيمة الشُّعوريَّة والقيمة التَّعبيريَّة (2).
والطَّابع العام والسِّمة الغالبة على أدب محمد ناصر، هي الوضوح والابتعاد عن التَّعقيد والغرابة، وهذا ما يؤسِّس للعمق، دون الإخلال بفصاحة الكلمة، فهو يستعمل الألفاظ والتَّراكيب للتَّعبير عن موضوعاته، ما يناسب الحالة النَّفسيَّة والعاطفيَّة، والفكريَّة التي تسيطر على العمل.
فالمحافظة على الأسلوب الفنِّي مع التَّوازن بين الشَّكل والمضمون ضرورة لازمة للعمليَّة الإبداعيَّة (3)، كما يؤكِّد محمد ناصر: أنَّ العمل الفنِّي من حيث هو كلّ إنَّما يتحقَّق من خلال هذا التَّداخل والتَّجاذب بين الشَّكل والمضمون، فليست هناك حقيقة لعمل فنِّي، لا تتمثَّل في علاقة التَّأثير المتبادل بين شكله ومضمونه (4)، وهذا الحكم النَّقدي لديه يستند على أساس نظريَّة تقول: هذه الصُّورة الجدليَّة بين الشَّكل والمضمون ليست إلَّا انعكاسا لتلك الذَّات المتفرِّدة والذَّات الجماعيَّة، أي علاقة التَّداخل والتَّجاذب في الوقت نفسه بين الفنَّان الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه … (5)، مع المحافظة والإلمام بالجانب الفنِّي لأنَّه يرى أنَّه: لابدَّ أن يستكمل العمل الأدبي أدواته الفنِّيَّة، والموضوع أيًّا كانت قدسيَّته لا يمنح الأديب حصانة من النَّقد ولا يعذر في ضعف أدواته. وبما أنَّه من دعاة الأدب الإسلامي فهو حريص على أن يكون أديبًا متميِّزًا، حيث يقول: إنَّ حرصنا على المضمون الإسلامي ينبغي
(1) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ص 211.
(2) عبد الله عوض الخباص: "سيِّد قطب الأديب النَّاقد"، مكتبة المنار، الزَّرقاء، ط 1، 1983 م، ص 253.
(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 27.
(4) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي".
(5) محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري من الرُّومانسيَّة إلى الثَّوريَّة"، عن د. عزّ الدين إسماعيل، الشِّعر في إطار العصر الثَّوري، ص 27، 207.