السُّموُّ الفنِّي ضرورة لازمة (التَّوازن بين الشَّكل والمضمون)
الجزء ١ · صفحة ١٧٢ألَّا يكون على حساب الجانب الفنِّي في النَّصِّ، إذ لا يشفع المضمون الإسلامي في نصِّ يفتقد إلى الموهبة الأدبيَّة الحقَّة، وحفاظًا على التَّوازن بين المضمون والشَّكل يدعو بعض المنظِّرين الإسلاميِّين اليوم إلى التَّأكيد على هذا الجانب، بحيث يصبح التَّنظير للأدب الإسلامي في هذه القضيَّة حماية للأدب الإسلامي نفسه، ويحفظ قيمته (1)، ويبرهن على ذلك بقوله: الدِّين حاجة فطريَّة في الإنسان، كذلك فإنَّ الفنَّ حاجة فيه لا يمكن أن تقتل فيه، ولو حاول إخفاءها أو توجيهها أو إنكارها (2)، والمقصود هنا هو الأديب المسلم الذي يحمل رؤية إسلاميَّة واضحة، يسعى لتحقيقها في جميع مناحي الحياة: ينشد العمل الفنِّي الهادف سلَّم واسع المدى كثير الدَّرجات، يمنح الأديب والفنَّان مقدارًا واسعًا من الحريَّة والعفوية والاختيار والتَّركيز دونها أيُّ قدر من التَّوتُّر والمباشرة (3).
لم تكن أعمال محمد ناصر على مستوى واحد من الحريَّة والعفوية، فمجال الحريَّة يتَّسع ويضيق حسب موضوع العمل، والظَّرف الذي كتب فيه، والعاطفة المسيطرة، وهذه السِّمة تتيح للكاتب أن يظهر مهاراته الفنِّيَّة، وثروته اللُّغويَّة، والفكريَّة، والثَّقافيَّة، فيسرف في عرض المسائل والقضايا التي يريد أن يوضِّحها، لاسيَّما أنَّ العفوية تقوم على بسط المعاني ووضوحها، وإنمّا تهدف إلى تأكيد الفكرة، ومن أمثلة ذلك مقالة لا للنَّقد المائع، قصائده: لحن من بلادي، رسالة متأزِّمة إلى ولدي، اللّحى الذَّليلة ....
وقوله في اللّحى الذَّليلة:
تَهبُ المهَابَة فِي القُلُوبِ إذَا غدتْ … أخلاَقُ صاحبهَا كَلحيَتِه أصِيلَهْ
لَكِنَّهُ إنْ ذَلَّ للأطْمَاعِ صَا … رت مِثلَ صَاحِبِهَا كَمِخْلاةٍ أكولَهْ
رَمزُ الرّجُولَة كَيفَ أضْحَتْ فِي هَوَا … نِ الطّبعِ رَمزا لِلمَهَانَةِ والفسولَهْ
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 30.
(2) المصدر نفسه.
(3) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 182.