السُّموُّ الفنِّي ضرورة لازمة (التَّوازن بين الشَّكل والمضمون)
الجزء ١ · صفحة ١٧٣تَبَّتْ لحَى تَغْدُو بأَيْدي الانتها … زِيِّينَ وَالفسّاقِ أرسَانا عمِيلَهْ (1)
وفي إحدى مقالاته النَّقديَّة هل البسملة عنوان إدانة يدعو إلى مبدأ الحريَّة في العمل الأدبي، التي يريد منها أن تأخذ شكلا من الإطناب من أجل معالجة مشكل البيروقراطيَّة مع المحافظة على الجانب الفنِّي، حيث يقول: ولا يغيب عن بال القصَّاص أن يشير بطريقة موحية إلى ما يمكن أن يعتبر من الأسباب الرَّئيسيَّة لتفشّي هذه الأزمة وحدّتها، حتَّى البيروقراطيَّة ولكنَّه حتَّى يكون قريبا دائما من أدواته الفنِّيَّة لا يعطي هذه المشكلة أكثر من هذه الأسطر … (2) لكنَّ الحريَّة والعفوية لديه تتحرَّك في حيِّز معيَّن؛ وَفق مبادئ وقيم الدِّين الإسلامي، وهذا ما يحقِّق التَّوازن الحقيقي مع الذَّات المبدعة حضارة، ودنيا، ولغة في قوله: بقدر حرصنا على الجانب الفنِّي في العمل الأدبي، ينبغي أيضا ألَّا يكون هذا الحرص على حساب المضمون والموقف والرُّؤية، فإنَّ من أولى سمات الصِّدق الفنِّي التَّوازن الحقيقي مع الذَّات المبدعة حضارة، ودنيا ولغة، وكلُّ اختلال في هذه المقوِّمات الأساسيَّة تصيب الذَّات بالاختلال، وبالتَّالي النَّصّ بالانفصام والتَّبعيَّة أو بالزِّيف … (3)، وهو يتَّفق في هذا الطَّرح مع الدُّكتور عماد الدِّين خليل الذي يقول: … والنِّيَّات والأفكار التي تدور في الذِّهن لا تعدُّ عملا بحال من الأحوال مالم تتحقَّق في الواقع المنظور، وتحقِّقها هذا لا يكون إلَّا باعتماد أسلوب وصيغة منظورة … وإذا كان (الحسن) مطلوبا في العمل، فإنَّه مطلوب بالضَّرورة في الأسلوب كذلك هناك، حيث ترتبط الجواهر بالأشكال، وحيث لا تنفصل في المنظور الإسلامي الأسباب عن المسبِّبات (4)، والرَّسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ الله يحبُّ إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، والإتقان هنا يتحقَّق من خلال البنية الكليَّة والمتكاملة في النَّصِّ الأدبي، الذي يجب أن يتأسَّس على العمق والأصالة والصِّدق، ولن تتحقَّق هذه الشُّروط إلَّا من
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 357، 358.
(2) محمد ناصر: "هل البسملة عنوان إدانة"، مقالة، الشَّعب الأسبوعي، عدد 57/ 1976 م.
(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 31.
(4) عماد الدين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 39.