السُّموُّ الفنِّي ضرورة لازمة (التَّوازن بين الشَّكل والمضمون)
الجزء ١ · صفحة ١٧٤خلال التَّوازن بين الشَّكل والمضمون فليس المضمون وحده هو الذي يقدِّم الفنَّ، وإنَّما الفنُّ هو مضمون وشكل معًا، والمضمون وحده لا يكفي (1).
هكذا استطاع محمد ناصر بناء عالم أدبي خاصٍّ، يدعو فيه إلى التَّصوير الجميل … الذي ينبغي أن تكون فيه الكلمة الطَّيِّبة من عناصر هي: الموقف، والمضمون، والأسلوب، وما الأدب النَّاجح إلى توازن بين هذه العناصر الثَّلاثة (2). فالكلمة الطَّيِّبة حسب رأيه تنبع من ضمير الإنسان ووعيه وفكره، ومشاعره الصَّادقة الأصيلة المعبِّرة، الموحية المجسِّدة لموهبة خلَّاقة، ولأنَّ الموهبة لا تنطلق من فراغ، ولا تعمل في فراع، إنَّها مرتبطة أشدَّ الارتباط بالطَّاقات والغرائز والحواس والسُّلوك ورصيد المعارف والخبرات (3).
لا يعني محمد ناصر - حسب رؤيته الإسلاميَّة - أنَّ الأدب هو جانب المضمون أو المحتوى، ويسكت عن الشَّكل، بل يدعو إلى ترابطهما في بنية فنِّيَّة متكاملة، تحاكي التَّطوُّر، متأصِّلة في التُّراث، لأنَّ الإسلام في رأيه دين إنساني شامل، لا يعرف حدود الزَّمان والمكان.
إنَّ هذا هو تصوُّر محمد ناصر من خلال رؤيته الإسلاميَّة لدينه ولأدبه، وهذا تصوُّره لما يبدعه لكي يكون نابعًا من حقائق يعيشها، ومشاعر يحسِّها، وتجربة يكابد دقائقها، وإذا كان ذلك واضحا عنده في التَّصوُّر، وقائما في داخله وسلوكه، فلم تُعوزْهُ الأدوات، بل إنَّه يبدع أدواته بنفسه لكي يستوعب تجربته، وتعبِّر عن ذوقه وانتماءاته وتوجُّهه، لأنَّه يحرص على إدراك ما تتميَّز به لغته من أسرار، ويتذوَّق جماليَّاتها، ويتعرَّف على ما فيها من مجازية وقدرة بيانيَّة، وتنويع في الأداء الأسلوبي لكي يستخدم ذلك بالطَّريقة المناسبة في إبداعه الأدبي (4).
(1) نجيب الكيلاني: "رحلتي مع الأدب الإسلامي"، ص 212.
(2) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 14.
(3) أحمد محمد علي: "الأدب الإسلامي ضرورة لازمة"، دار الصَّحوة للنَّشر والتَّوزيع، القاهرة، ط 1، 1991 م، ص 29.
(4) محمد حسين بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 106.