باب
الجزء ١ · صفحة ١٨ويروى أن مروان الجعدي كتب إلى عبد الله بن علي: إني أظن أن هذا الأمر صائر إليكم، فإن كان ذلك فاعلم أن حُرَمنا حُرَمكم والسلام. فكتب إليه عبد الله: إن الحق لنا في دمك، والحق علينا في حُرَمك.
وحدثني علي بن القاسم الهاشمي قال: بينما الخيزران قاعدة ذات يوم قيل لها إن ببابك امرأةً حسناء، وعليها ثياب بَذّة تطلب الإذن عليك، وقد سُئلت عن اسمها فأبت أن تخبر به، فقالت لزينب بنت سليمان بن علي: ما ترَيْن؟ فقالت: تدخل فإنه لا بد من فائدة أو ثواب. فأذنت لها، فدخلتْ، فقالت: أنا مارية امرأة مروان بن محمد الأموي، فقالت زينب: أأنت مارية؟ فلا حباك الله! والحمد لله الذي أدال منك، أما تذكرين يا عدوة الله حيث أتاكِ عجائز قومي وأهل بيتي يسألونك مسألة صاحبِك في دم إبراهيم الإمام فوثبت عليهنّ وأسمعتِ ما أسمعتِ، وأمرتِ بإخراجهنّ! قال: فضحكت مارية، فلا يُنسى حسنُ ثغرها وعلوُّ صوتها بالقهقهة. ثم قالت أيا بنة عمِّ، أي شيء أعجبكِ من صنع الله بي على العقوق حتى أردت أن تتأسّي بي! فهبيني أني فعلتُ بنساءِ قومك ما فعلتُ ثم ساقني الله خاضعةً ذليلةً عُريانةً، فكان هذا مقدارَ شكرك لله على ما أولاك فيّ. ثم ولّت وقالت: السلامُ عليكنّ، فقالت الخيزران: ليس هذا لك عافاكِ الله! عليّ استأذنتِ، وإياي قصدت فارجعي! فقالت: نعم، وإن مما يرُدّني الجوعَ والضر. فدعت الخيزرانُ بالخِلَع لها ثم قالت: افرشوا لها المقصورة الفلانية، وقالت: والله لا يفرّقُ بيننا إلا الموت، فما فرّق بينهما إلا الموت.
ونُمي إليّ من ناحية زبير قال: اعترض رجلٌ من بني أمية يحيى بن خالد البرمكي، فقال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن توصلني إلى أمير المؤمنين الرشيد - وعرّفه نفسه - فقال له: إن أمير المؤمنين يكره أهل هذا البيت، فإن كانت لك حاجةٌ كنتُ لك فيما تريده دون أمير المؤمنين، قال: ما بي حاجةٌ إلى غيره، وهذه حاجتي إليك.
فدخل إليه يحيى فصادفه طيّب النفس، فقال: يا أمير المؤمنين إن لي حاجة، فقال له: قل يا أبا علي، فأخبره بقصة الأموي. فقال: ما أكره ذلك، فأتي به فسلّم عليه ودعا فأحسن، ثم أنشأ يقول:
يا أمينَ الله إني قائلٌ … قول ذي رأيٍ ودينٍ وحسَبْ
لكمُ الفضلُ علينا ولنا … بكمُ الفضل على كلِّ العرَبْ
من يقل غيرَ مقالي فلقد … ضلّ في الحكم ضلالاً وكذبْ
عبدُ شمس كان يتلو هاشماً … وهما بعدُ لأمٍّ ولأبْ
فصِلِ الأرحام منا إنما … عبدُ شمسٍ عمُّ عبد المطلب
فالقرابات شديد عَقدُها … عقدُها أوثق من عقد الكرَبْ
قال الرشيد: إي والله! وأمر له بجائزة، فقبضها وخرج. قال يحيى: فخرجتُ خلفه لأعطيه أنا أيضاً فلم ألحقه.
ويروى أن حفصاً الأموي - وكان هَجّاءً لبني هاشم مُطنِباً في ذكر مثالبهم - لم يشعر به عبد الله بن علي بن العباس إلا هو واقف على رأسه وهو لا يعرفه، فقال له: من الرجل؟ قال: حفص الأموي، قال: أأنت الذي لم تزل مطنباً في هجاء بني هاشم وثلبهم؟ فقال: ليس كل ما بلغك أيها الأمير حقاً، ولكني الذي أقول:
وكانت أميةُ في مُلكها … تجور وتُكثر عُدوانَها
فلما رأى اللهُ أن قد طغت … ولم يُطق الناس طغيانَها
رماها بسفّاح آل الرسول … فجدَّ بكفَّيْه أعيانَها
فقال له: اجلس، فجلس، ثم دعا عبد الله بالطعام فتغدّى معه، ثم نظر إلى عبد الله وهو يُسارّ خادماً له، فخاف على نفسه، فقال: أيها الأمير، إني قد تحرّمتُ بطعامك فقال: ليس الأمر كما تظن، فجاءه الخادم بخمسمائة دينار، فصبّها في كمّه وقال له: اخرج آمناً، ومن بالباب يتوقعون أن يخرج رأسه، فسألوه عن حاله فقال: وهب لي الأمير ألف دينار: خمسمائة دينار ديني وخمسمائة في كُمّي.