التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة البقرة

الجزء البقرة · صفحة ٠
[سورة البقرة — آية 213]

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً ﴾ قال أبو سعيد : << في التأويل أنهم كانوا أمَّة واحدة في معرفته تبارك وتعالى ، يعبدونه بمعرفته ولم يكن لهم غير ذلك قبل أن يبعث الله الرسل ، ولم يكن لهم في مخالفة ذلك ولا الشكُّ فيه ولا في شيء منه إلاَّ بالاعتراف له بآياته وشواهد فضله وعدله وقدرته وحكمته وما أظهر من آياته ، ولم يكونوا قبل ذلك ليبلغوا إلى ما لم يأتهم به الرسل من الأمر والنهي الذي يتعبَّدهم الله به ، ولا بالكتب التي ينَّزلها الله عليهم ، ولا بالرسل التي يرسلها الله إليهم ، وإنما كانت العبادة له قبل الرسل له تبارك وتعالى ، بصحَّة المعرفة له وإخلاص الطاعة له ، والعبادة بالاستسلام له والإيمان به وبآياته . قال الله تبارك وتعالى : ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً ) على هذا فاختلفوا في عبادته قبل أن يرسل إليهم الرسل ، منهم الشاكُّ ومنهم الجاحد ومنهم المعطَّل ومنهم العابد معه غيرة . قال : ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ) فجاءت الرسل والكتب عن الله مبشِّرة لمن أطاعة وعبده ، وشاهدة له بالصواب والثواب ؛ ومنذرة لمن عصاه وشاهدة عليه بباطله ومخالفته ، وبالعقاب على ذلك . ﴿ فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ﴾ المؤمنين بالثواب ، ﴿ وَمُنذِرِينَ ﴾ الكافرين بالعقاب ، ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾ مع كلِّ واحد كتابة ، ﴿ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ ﴾ الله أو الكتاب أو النبي المنَّزل عليهم . ﴿ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ في دين الإسلام ن ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ أي الكتاب المنزَّل لإزالة الاختلاف ، أي [ما] ازدادوا إلاَّ اختلافا لما أنزل عليهم الكتاب . ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ واضحات على صدقه ، ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ حسدا بينهم وظلما ، لحرصهم على الدنيا وقِلة الإنصاف منهم . قال الغزالي : " فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته فأمرهم أن يتألفوا بالعلم فتحاسدوا وتخالفوا إذ أراد كلُّ واحد أن يتفَّرد بالرئاسة وقبول القول فردَّ بعضهم على بعض " . ﴿ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ أي فهدى الله الذين آمنوا بالحق الذي اختلف فيه من اختلف ، ﴿ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾ بإرادته من أهل طاعته ، ﴿ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾ فلا هداية إلاَّ لمن هداه الله إلى الهدى ، ولا هدى من الله إلاَّ لمن آمن به ، ولا يكون مؤمنا إلاَّ حتى يوافق سبيل الإيمان >> هذا من قول أبي سعيد ، انتهى .

﴿ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي إلى الحقِّ .

٢٢٠ / ٦٬٢٣٦