سورة طه
الجزء طه · صفحة ٠﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ عن الهدى الذاكر لي ، والداعي إلى عبادتي من حيث جاءهم ، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ ضيقا ، وذلك لأن مجامع همه ، ومطامح نظره يكون إلى أغراض الدنيا ، متهالكا على ازديادها ، خائفا على انتقاصها ، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة ، مع أنه تعالى قد يضيق بشؤم الكفر ، ويوسع ببركة لأهل الإيمان ، كما قال: ﴿ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ ، ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ، وقيل: هو الضريع والزقوم في النار ، ويحتمل فيه ، لأنه معيشة الحياة الدنيا قليلة في جنب الآخرة ، كما قال:﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا ﴾ وعلى كل حال فإن معيشتهم ضنك ، لأنهم ليس عليها يؤجرون ﴿كذا﴾ . وروي عن ابن عباس أنه قال:" كل ما أعطى العبد قل أو كثر ، فلم يتق فيه ، فلا خير فيه ، وهو الضنك في المعيشة". وإن قوما أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين ، وكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس بمخلف عليهم ، فاشتدت عليهم من سوء ظنهم . ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أعمى البصر ، أو القلب ، ويؤيد الأول ﴿قوله﴾:
﴿قَالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى ، وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ؟ قَالَ :كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ﴾ فتعاميت عنها ، وتركتها غير منظور إليها ، ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل تركك إياها ﴿الْيَوْمَ تُنسَى﴾ تترك في العمى والعذاب.