التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة النمل

الجزء النمل · صفحة ٠
[سورة النمل — آية 29]

﴿قَالَتْ﴾ أي: بعدما ألقي إليها ، ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ لكرم مضمونه ، أو لغرابة شأنه ، فقيل: إنها كانت مستلقية في بيت مغلقة الأبواب ، فدخل الهدهد من كوة ، وألقاه على نحرها ، بحيث لم تشعر به . ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ استئناف ، كانه قيل لها: ممن هو؟ وما هو؟ فقالت: إنه أي: إن الكتاب ، أو العنوان من سليمان ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن المكتوب ، أو المضمون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ " أن" مفسرة لـ"كتاب" ، أو مصدرية ، فيكون بصلته خبر محذوف ، أي : هو ، أو: المقصود أن لا تعلوا ، أو بدل من " كتاب" ، ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ مؤمنين ، أو منقادين . وهذا كلام فيه غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود ، لاشتماله على البسملة ، الدلالة على ذات الصانع ، وصفاتها صريحا والتزاما ، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل ، والأمر بالإسلام الجامع لأمهات الفضائل ، والأمر فيه بالانقياد بعد إقامة الحجة على رسالته ، فإن إلقاء الكتاب إليها على منقار الطائر ، وهي على تلك الحالة من أعظم الدلالة. ﴿قَالَتْ : يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ أجيبوني في أمري ، واذكروا ما تستصوبون فيه ، ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ ما أبت أمرا ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ إلا بمحضركم ، استعطفتهم بذلك ليمالئوها على الإجابة ، أي: يجامعوها ويعاضدوها ، وذلك بعد ما أهالها أمر الكتاب والكاتب ، ولم تستهن به ، ولم تستخف به ، ولم تهمله ، وعظم شأن عاقبته في قلبها ، وهي ربما لم تشعر بأحوال سليمان ولا جنوده ، وكل ذلك لأمر ملكها ودنياها ، لا على دينها . وانظر ما صنعه سليمان وهو بعد لم يصح معه صدق الطير من كذبه ، كيف لم يتوسع بالعذر ، وهو عدم الصحة على ما نطق به الطير ، وانتهز الفرصة للمسابقة على الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وعلى إظهار دين الله.

٣٬١٨٨ / ٦٬٢٣٦