سورة البقرة
الجزء البقرة · صفحة ٠﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ استيعاب القسو من بعد ما يوجب لين القلوب ورقَّتها ، وصِفَة القلوب بالقسوة مثل لنبـوهَّا عن الاعتبار والاتعَّاظ ؛ وقيل : قست يبست وجفَّت وجفاف القلب خروج الرحمة واللَّّين عنه ؛ وقيل : غلظت ؛ وقيل : اسودَّت . ﴿ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ من بعد ما تقَّدم من الآيات المذكورة . ﴿ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ ﴾ فهي في قسوتها مثل الحجارة . ﴿ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ منها . ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ ﴾ بيان لزيادة قسوة قلوبهم عليها . ﴿ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ﴾ التفجَّر التفتَّـح بالكثرة . ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ﴾ يعني أن من الحجارة فيه جروف واسعة يندفق منها الماء الكثير ، ومنها ما ينشقُّ انشقاقاً بالطول والعرض فينبع منه الماء أيضاُ ، وقلوبهم لا تندى ولا يخرج منها ما يوجب القسوة وهي الأمراض [ كذا ] . ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ ﴾ يتَّردى من أعلاه ، ﴿ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ قيل : هو مجاز عن انقيادها لأمر الله ، وأنها لا تمتنع عمَّا يريد فيها ، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تغفل ما أمرت به ؛ وقيل : المراد به ما أمرت به حقيقة الخشية ، على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز ، وليس شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصة (لعله) عند أهل السنَّة ، وعلى هذا قوله : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل .... ) الآية ، بشيء ، وقلوبهم لا تخشى وهو هدٌّ ووعيد وعليمٌ أن ليس ما يتولَّد من القلوب القاسية إلا الباطل ، فإن قيل : حجر جماد لا يفهم كيف يخشى ؟ قيل : الله تعالى : يُفهمها ويُلهمها فتخشى بإلهامه ؛ ومذهب أهل السنة أن الله علما الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء ، لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال : (وإن من شيء إلاَّ يسبح بحمده ) فيجب على المرء الإيمان به وبكل علمه إلى الله ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وهو هدٌّ ووعيد وتعليم أن ليس ما يتولد من القلوب القاسية إلا الباطـل .