سورة آل عمران
الجزء آل عمران · صفحة ٠﴿ هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ ﴾ القرآن ﴿ مِنْهُ ءَايآتُ مُحْكَمَاتٌ ﴾ واضحات الدلالة ، ولو احتملت النسخ ، وزاد الحنفية أنه لا يحتمل النسخ مع الوضوح ، فهن أحكمن عن اللبس أو عنه وعن النسخ ﴿ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ ﴾ أصله المعتمد عليه ، كل واحدة أم الكتاب ، أو هن كالآية الواحدة في التكامل والاجتماع والأصل ما يرد إليه غيره ، كقوله تعالى ، لا تدركه الأبصار ، يرد إليه قوله تعالى : إلى ربها ناظرة ، بتفسيره بمنتظره ﴿ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ لا يفهم معناها ، ومعنى متشابه مشتبه ، أى منبهم غير متبين ، فلا يحتاج إلى ما يشاركه في الشبه ، فلا إشكل ، وذلك كأوائل السور مما يفهم ألبتة ، أو يفهم بمزيد تأول ، أو متشابهات بمعنى محتملات ، كالقروء للحيض ، أو للأطهار أو مجاز وتلويحات ، فكأنه قيل ، عارضوه بما شئتم ، بصريحه ، أو غير صريحة فلن تستطيعوه ، أو المتشابه ما لا نعلم علته ، كأعداد الصلوات ، والمحكم ما عقلت علته ، والتشابه من صفات المعنى ، وصف بها اللفظ مجازاً ، من إسناد ما المدلول للدال ، وبطلق المحكم على الحكم أيضاً ، على معنى نفى العيب معنى ولفظا المتشابه على معنى تشابهها في الصدق والحسن ، وكل القرآن لا عيب فيه وصادق حسن ، روى أن وفد نجران أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال : بلى ، قالوا : فحسبنا ذلك ، فرد عليهم ، وبين أن الكتاب قسمان ، قسم يفهمه الناس ، وقسم لا يفهمه أمثالهم ، كما لم يفهموا معنى كونه كلمة الله وروحاً منه ، ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ الميل إلى الباطل ، والميل يصلح فى الميل إلى الباطل ، وفى الميل إلى أحق ، فهو أعم من الزيغ ، وهم اليهود ونصارى نجران والمنافقون ، ومنكرو البعث ﴿ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَآبَهَ مِنْهُ ﴾ عملا بظاهره أو بتأويله بباطل ﴿ ابْتِغَآءَ الفِتْنَةِ ﴾ طلبا لصرف الناس عن دين الحق ، كتفسير يد الله باليد الحقيقية . وهو شرك ، وتفسيرها باليد بلا كيف وهو فسق ، وكذا سائر أسماء الأعضاء والجهات في القرآن في حق الله تعالى عنها ، وكتفسير الاستواء بالتمكن حقيقة وهو إشراك ، وبلا كيف وهو فسق ، وكزعم المشرك أن العرش واحد قديم عليه ، عليه تمكن ، أو نوع قديم كذلك ﴿ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيِلِهِ ﴾ طلبا لرجعه إلى معنى باطل ، فإن التأويل يطلق على التفسير الباطل كما يطلق على التفسير الصحيح ، أو المراد بتأويل يوجب ابتغاء الفتنة بدون عكس ، ولذا قدم ابتغاء الفتنة ، وكانوا يظهرون التناقض بين معانى القرآن بمناقضة المحكم بالمتشابه ، مثل أن يقولوا ، كيف يقول ، ليس كمثله شىء مع قوله على العرش استوى ، ويد الله وعينه وجنبه ونحو ذلك ، وصح الجمع بين ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل لما علمت من أن ابتغاء التأويل يوجب ابتغاء الفتنة دون العكس ، أو لأن ابتغاء التأويل في زعمهم إظهار للحق وتجويد للفهم بدون اعتبار أن يقتدى بهم غيرهم أو ألا يقتدوا بهم ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ﴾ أى تأويله المتشابه ﴿ إلآ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ ﴾ عطف على لفظ الجلالة ﴿ في العِلْمِ ﴾ يعلم الله والمتمسكنون في العلم معنى المتشابه كما نسرنا الاستواء بالغلبة ، واليد بالقدرة والملك ، وإن أريد بالمتشابه ما اختص الله بعلمه .
وعلم وجه الشىء كمدة الدنيا ، أو سائر خلقه وعدد الزبانية التسعة عشر فالمعنى لا يعلم تأويله إلا الله ، وأن الراسخين في العلم ﴿ يَقولُونَ ءَامَنَّا بِهِ ﴾ بالتشابه كما بلا دخول في تفسيره . الجملة مستأنفة ، أو حال من الراسخون ، وإن جعلنا الراسخون مبتدأ فالجملة هذه خبره ﴿ كُلٌّ ﴾ من المحكم والمتشابه ﴿ مِّن عِندِ رَبِّنَا ﴾ كناية عن كونهما حقا ، فإن كل ما جاء من الله حق ، روى أنس عنه صلى الله عليه وسلم أن الراسخين من صدق حديثه ، وبر يمينه ، وعف بطنه وفرجه ، والمراد أن هذه علامتهم التى يتعين أن يكونوا عليها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد نجران ، « ألستم تعلمون أن ربنا حى لا يموت ، وأن عيسى عليه السلام يأتى عليه الفناء؟ » قالوا : بلى ، قال عليه الصلاة والسلام : ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء؟ قالوا : بلى ، قال صلى الله عليه وسلم : « فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم؟ » قالوا : نعم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء » ، وأن ربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث؟ قالوا : بلى ، قال صلى الله عليه وسلم : « ألستم تعلمون أن عيسى عليه السلام حملته أمه كما تحمل المرأة ، ووضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذى كما يغذى الصبي ، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ » قالوا : بلى ، قال عليه الصلاة والسلام . فكيف يكرن هذا كما زعمتم ، فسكنوا ، فأنزل الله عز وجل فيهم من سورة آل عمران إلى بضع وثمانين ، وتقدم أن ثلاثة من الوفد مقدمون عندهم ، وآل أمرهم إليهم ، وهم العاقب أميرهم ، والسيد صاحب رحبتهم ، وأبو حارثة بن علقمة حبرهم وإمامهم ، وروى أنهم دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر ، عليهم ثياب الحبرة ، جبب وأردة من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلوا إلى الشرق ، فكلم العاقب والسيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أسْلِما ، فقالا : قد أسلمنا قبلك ، قال صلى الله عليه وسلم : كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخزير » ، فقالا : إن لم يكن ولد الله فمن أبوه؟ إلى آخر ما مر ، وفيه ، ألم تعلموا أن ربنا قيوم كل شىء وحافظه ورازقه؟ قالوا : بلى ﴿ وَما يَذَّكَّرُ ﴾ يتذكر في شأن المتشابه كغيره ﴿ إلآّ أُوْلُ ا الأَلْبَابِ ﴾ وهم الراسخون فى العلم ، مدحهم بشدة ، قوة للنفس معدة لاكتساب الآؤاء لخلوها من الأوهام الفاسدة ، وهذا من كلام الله عز وجل ، والرسوخ في العلم يكون بالتقوى والتواضع والزهد والمجاهدة ، وهذا كلام من الله ، معترض بين قول الراسخين المتقدم وقولهم .