تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة محمد

الجزء محمد · صفحة ٠
[سورة محمد — آية 25]

﴿ إنَّ الَّذين ارتدُّوا ﴾ ردهم الشيطان وأنفسهم الى الشرك والمعاصى ، فطاوعوا ورجعوا الى ما كانوا عليه كما قال : ﴿ عَلى أدبارهم ﴾ فان الشرك والمعصية مما يستخبث ويعرض عنه ، ويلقى وراء الظهر ﴿ مِنْ بَعْد ما تبيَّن لَهُم الهدى ﴾ بالقرآن وسائر المعجزات ، قال ابن عباس ، الضحاك والسدى : نزلت فى قوم أسلموا بلا نفاق ، ثم نافقت قلوبهم ، ولو كانوا من أول على النفاق لم يطلق عليهم الارتداد ، ولا يقال ارتدوا الى الاظهار ، لأنهم لا يظهرون ، بل ينافقون الا فيما بينهم ، وقال بعض العلماء : المراد المنافقون الموصوفون بمرض القلوب ، وقبائح الأحوال فيما مر ، ولا ينبغى قول عالم فى التفسير ، والرواية عن ابن عباس اذا صحت الا لدليل قوى ، وقد سمى ترجمان القرآن .

وعن قتادة : المراد اليهود والنصارى ، ارتدوا عن الايمان بآيات التوراة والانجيل المثبتة لرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد ارساله ، وعن ابن جريج ، المراد اليهود ، ارتدوا بعد رسالته صلى الله عليه وسلم بما آمنوا به قبلها من آيات التوراة الدالة عليها ، ويحتمل إرادة المنافقين واليهود والنصارى ، والمتبادر الأول ، قلت أو المراد كل مشرك أدرك الحق ، وكفر عنادا فادراكه كالايمان ، والاعراض عما أدرك كالردة .

﴿ الشيطان سوَّل لَهُم ﴾ الشيطان جنس الشياطين أو ابليس ، لأن كل ما فعل الشياطين فقد ارتضاه وأمرهم به فى الجمال ، وسول من السول بفتح السين والواو مصحا معتلا غير معل ، وهو التسهيل ، وأصله الاسترخاء ، استعير للتسهيل والتشديد لتعدية ، أى عدة لهم سهلا لا يبالى به ، وقيل : من السول بمعنى التمنى ، أى حملهم على سولهم أى متمناهم ، فاتشديد للحمل على معنى المصدر ، مثل غربه اذا حمله على الغربة ، وهو من معانى فعل بالشد كما بسطه فى شرح لامية الأفعال ، وحملوا السول على معنى المسئول ، ولا يعترض بأن السول بمعن التمنى مهموز لأنا نقول : أخذ منه سول بالشد على لفظه من قلب الهمزة فيه واوا للين المشهور فيه ، وهو ابقاء الهمزة ، بل قد يقال من المهموز المسهل الهمزة الى الواو حققت الواو تخفيفا ، والتزم ذلم كما يلتزم القلب ، ويلغى الأصل فى الألفاظ مقصورة على السماع كتدير بمعنى اتخذ دارا أخذ من لفظ ديار جمع دار ، وألف دار عن واو ، وتحيز أخذا من الحيز ومن الحوز واوى العين ، وقد سمع يتساولان بلواو ، بمعنى كل واحد يتمنى من الآخر ، وما تقدم أولى لخلوه عن التكلف .

﴿ وأمْلَى لَهُم ﴾ بسط الشيطان لهم فى تمنى كثرة ما يشتهون ، وطول البقاء فيه مدة طويلة ، وأصل الاملاء الابقاء ملاوة أى مدة من الدهر ، والمراد طيلة ، وقيل : وعدهم بالبقاء الطويل ، وعلى كل حال شغل بذلك قلوبهم عن الايمان بجوارحهم عن العمل ، وسمى ذلك املاء أى تأخيرا على التجوز ، والمملى حقيقة هو الله تعالى ، وقيل : الضمير لله ، وفيه تفكيك الضمائر ، ولكن يتقوى بقراءة الأعمش بضم المهمز وكسر اللام بعده ياء ساكنة ، وأصلها الفتح وهو فعل مضارع ، وهو الله تعالى بهمزة التكلم بمعنى الامهال لهم ، وقد يقال : بأنه ماض مبنى للمفعول ، سكن آخره تخفيفا ، كما يقال فى رضى بفتح الياء رضى بفتح الياء رضى بإسكانها ، ويناسبه قراءة أى عمرو وغيره بالبناء المفعول مفتوح الياء ، والمملى الشيطان ، أو الله عز وجل ، على ما مر من التفسير ، ويجوز أن يكون أمهل الله لهم الشيطان بجعله من المنظرين .

٤٬٥٧٠ / ٦٬٢٣٦