د- المطلب الرابع: العمارة في الدولة الرستمية ومستوى المعيشة:
الجزء ١ · صفحة ١٣٦وقد اهتم أئمة الدولة الرستمية بتطوير الدولة والرقي بها في السلم الحضاري منذ الأيام الأولى لقيامها في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم ، فنجد أن الدولة الرستمية في بداية نشأتها لم تكن بتلك القوة وذلك المعمار الراقي ، ويظهر ذلك من خلال ما يروى عن الوفد المشرقي الذي أرسله إباضية المشرق بمال لإعانة الإمام عبد الرحمن ودولته الوليدة ، فلما وصل الوفد إلى تيهرت وسأل عن دار الإمام ، وجد الإمام على سطح داره يصلح شقوقا فيها وغلام له يعجن له الطين ، وعندما دخلوا داره لم يجدوا فيها إلا حصيرا ووسادة ينام عليها ، وسيفه ورمحه وفرسه مربوط بناحية من داره (1) ، هكذا كانت بداية الدولة الرستمية بداية بسيطة ، إلا أن الأئمة الرستميين لم يرضوا لدولتهم أن تظل على هذه البساطة والضعف التي تغري عليها كل طامع ومعتد ، فنجد أن الإمام عبد الرحمن قام بتطوير البلاد وتقويتها ورفع مستوى معيشة أفرادها بخطى سريعة ، حتى أن إباضية المشرق قاموا بإرسال وفد مرة ثانية إلى تيهرت لإعانة الإمام عبد الرحمن وشعبه بالمال ، فلما وصل هذا الوفد المشرقي إلى تيهرت وجد أن الأمور تبدلت عما وجده في الزيارة الأولى ، وأن تغييرا جذريا حدث ، فوجدوا القصور والبساتين والرفاهية في السكان ، قال ابن الصغير : " … فوجدوا - يقصد الوفد المشرقي - الأمور قد تبدلت ، وأحوال المدينة والأشياء قد تحسنت ، وذلك أنهم نظروا إلى قصور قد بنيت وإلى بساتين قد غرست وإلى أرحاء (2) قد نصبت وإلى خيول قد ركبت ، وإلى حفدة قد اتخذت السور ، والعبيد والخدم قد كثرت …
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص33 .
(2) *- الرَّحا ، والرَّحَى : هي الأداة التي يطحن بها ، وهي حجران مستديران يوضع أحدهما على الآخر ويُدار الأعلى على قطب ، وتجمع على أَرْحٍ ، وأَرْحاءٌ ، ورُحِيٌّ ، وأَرْحِيَةٌ ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/335 ) .