2 - المطلب الأول: أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية:
الجزء ١ · صفحة ١٤٧وقال ألفرد بل واصفا تيهرت وما وصلت إليه من رقي حضاري في مختلف الميادين ومن بينها ميدان العلم والثقافة : " واستمرت المملكة الإباضية في المغرب الأوسط قرابة مائة وخمسين عاما ( من سنة 761م إلى سنة 909م ) ، وكانت عاصمتها تاهرت (1)
(1) *- تضاربت المصادر في اسم " تيهرت " بعضها يذكرها بالألف " تاهرت " وبعضها بالياء " تيهرت " ، فممن ذكرها " تاهرت " بالألف : البرادي في الجواهر ، والبغطوري في سير أهل نفوسة ، والدرجيني في طبقاته ، وأبو زكرياء في سير الأئمة ، وابن الصغير في أخبار الأئمة الرستميين ، وياقوت الحموي في معجم البلدان ، والقزويني في آثار البلاد وأخبار العباد ، وابن حوقل في صورة الأرض ، واليعقوبي في كتاب البلدان ، وابن الفقيه الهمداني في مختصر كتاب البلدان ، والمقدسي في أحسن التقاسيم ، وأبو القاسم بن خرداذبة في المسالك والممالك ؛ ومن الباحثين المعاصرين من ذكرها " تاهرت " بالألف : الجعبيري في البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، وعمرو النامي في دراسات عن الإباضية ، و د/ محمد صالح ناصر في منهج الدعوة عند الإباضية - بالرغم من أنه وإبراهيم بحاز رجحا تيهرت عن تاهرت في تحقيقهما على أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير كما سنرى بعد قليل - ود/ عوض خليفات في نشأة الحركة الإباضية كذلك ذكرها " تاهرت " بالألف ولم يذكرها " تيهرت " بالياء ، وكذلك تاديوس ليفيتسكي صاحب كتاب المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية ؛ ونجد عبد الله بن قتيبة في كتابه يذكرها بالألف " تاهرت " كما نقل عنه أبو زكرياء صاحب سير الأئمة في ص48 ، حيث قال ـ أي ابن قتيبة ـ : " والله أعلم بمن كان به التمام ونرجو أن هؤلاء الذين وصلوا أرض المغرب بتاهرت من أئمتنا ، وقد بلغوا فيها درجة عظيمة ، وولوها نيفا ومائة وخمسين سنة ، فيما ذكره بعض الرواة " إهـ . (.أنظر : البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص173 ، 174 ـ البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص64 ، 74 ـ أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص81 ، 83 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/40 ،41 ، 42 ، 43 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص28 ـ ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط1 : 1417هـ/ 1997م ، 2/426 ـ 427 ـ القزويني ، آثار البلاد وأخبار العباد ، دار بيروت للطباعة والتشر ، بيروت لبنان ، 1404هـ / 1984م ، ص169 ـ ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص93 ـ اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص109ـ 114 ـ ابن الفقيه ، مختصر كتاب البلدان ، ص77 ـ المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص83 ، 183، 184، 189، 194 ـ أبو القاسم ، المسالك والممالك ، ص81 ـ 83 ـ فرحات الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، مطبعة الألوان الحديثة ، سلطنة عمان ، 1408هـ / 1987م ، ص57 ، 105 ، 144 ـ د/ النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص117 ، 122 ، 202 ـ محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص153ـ 156 ـ د/ عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص9 ، 14 ، 38 ـ تاديوس ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية ، ترجمة : ماهر جرار و ريما جرار ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت لبنان ، ط1 : 2000م ، ص37 ـ أنظر كلام عبد الله بن قتيبة في : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص48 ) .
وفي المقابل نجد بعض المصادر تذكرها " تيهرت " بالياء بدلا من " تاهرت " بالألف فمن المصادر القديمة : الشماخي في سيره ، وابن عذارى في البيان المغرب ، وكذلك الرقيق القيرواني ، وابن سعيد المغربي قال أبو الفداء : " وفي خط ابن سعيد عوض الألف ياء مثناه من تحت وهو الأصح عندي لأن ابن سعيد مغربي فاضل " إهـ . =
= ومن الباحثين المعاصرين من ذكر تيهرت بدلا من تاهرت : الشيخ سليمان باشا الباروني في الأزهار الرياضية ، والشيخ أبو الربيع سليمان الباروني في مختصر تاريخ الإباضية ، والشيخ بكلي عبد الرحمن محقق قواعد الإسلام ، والباحث حاج أحمد كروم محقق الدينونة الصافية ، والباحث إبراهيم بحاز في كتابه الدولة الرستمية معللا أن الكلمة حرفت بمرور الزمن ، والباحث محمد دبوز في تاريخ المغرب الكبير ـ والغريب أنه نقل عن ياقوت الحموي بعض ما قاله عن تيهرت في كتابه معجم البلدان 2/354 مطبعة دار السعادة بالقاهرة وهو قوله : " تيهرت الحديثة ، وهي على خمسة أميال من تيهرت القديمة وهي حصن ابن ماجه " إهـ ، فنجد أنه ـ الباحث محمد دبوز ـ نسب إلى الحموي أنه ذكر " تيهرت " بالياء وليس " تاهرت " بالألف بالرغم من أننا إذا رجعنا إلى كتاب معجم البلدان نجد ياقوت الحموي يذكر " تيهرت " بالألف " تاهرت " وليس " تيهرت " بالياء كما ذكر الباحث دبوز ، ولا أدري هل السبب يعود إلى اختلاف طبعات كتاب معجم البلدان ، حيث أني رجعت إلى طبعة دار إحياء التراث العربي ببيروت ، الطبعة الأولى ، ولم أتمكن من الحصول على الطبعة التي اعتمد عليها الباحث محمد دبوز ، أم أن السبب يعود إلى عدم تركيز من الباحث محمد دبوز على هذه النقطة في الخلاف في اسم تيهرت مع أهميتها ، الله أعلم في ذلك ، ونجد نفس الشيء يتكرر معه فيما نسبه إلى أبي القاسم بن خرداذبة صاحب المسالك والممالك من ذكره لتيهرت بالياء وليس بالألف ، حيث قال ـ ابن خرداذبة ـ : " تيهرت مدينتان كبيرتان … وفيها جامع " ناقلا ذلك من كتاب المسالك والممالك طبعة ليدن 1872م ، وإذا عدنا إلى ما قاله ابن حوقل في كتابه المسالك والممالك نجده يذكرها " تاهرت " بالألف وليس " تيهرت " بالياء ، ولا أدري هل السبب يعود إلى اختلاف الطبعات فوقع نسخ أو تحريف حيث أني عدت إلى كتاب المسالك والممالك ووجدته ذكر تيهرت بالألف " تاهرت " وليس بالياء " تيهرت " كما ذكر الباحث محمد دبوز ، والغريبة كذلك أنه نسب كتاب المسالك لابن حوقل ! ، ومن المعلوم أن كتاب المسالك والممالك لأبي القاسم بن خرداذبة ، فلا أدري هل يوجد كتاب آخر لابن حوقل يحمل نفس اسم كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة ، فالمشهور عن ابن حوقل هو كتاب صورة الأرض ، أم أن ذلك خطأ مطبعي أو سهو من الباحث محمد دبوز ؟ الله أعلم .
ونجد إسماعيل العربي محقق كتاب سير الأئمة وأخبارهم يذكرها " تيهرت " بالياء في مقدمة تحقيقه ولم يبين أيهما الأرجح ، والظاهر أنه يرجح " تيهرت " على " تاهرت " لأنه استعملها بالياء ، بالرغم أن أبا زكرياء صاحب كتاب سير الأئمة إستعمل " تاهرت " بالألف ، فلم يعلق المحقق إسماعيل العربي على ذلك ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/124 ـ ابن عذارى ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، دار الثقافة ، بيروت لبنان ، ط3 : 1983م ، 1/196ـ 200 ـ الرقيق القيرواني ، تاريخ إفريقية والمغرب ، تحقيق : المنجي الكعبي ، مطبعة الوسط ، تونس ، 1387هـ/ 1967م نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ـ أبو الفداء ، تقويم البلدان ، تصحيح رينود وآخرين ، طبع دار الطباعة السلطانية ، باريس 1840م ، ص138 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ـ الباروني ( باشا ) ، الأزهار ، 2/6 ، 45 ، 305 ـ أبو الريبع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص36 ـ الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش ـ الشيخ عمروس ، الدينونة الصافية ، ص24 ، 28 ، 30 مقدمة المحقق ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ـ محمد دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/21 ، 262 ، 442 ـ أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص20 مقدمة المحقق ) .
ورجح الباحثان محمد صالح ناصر وإبراهيم بحاز في تحقيقهما على كتاب أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير " تيهرت " بالياء عن " تاهرت " بالألف ، وقالا أن الأضبط " تيهرت " بالياء ، مع أن د/ محمد صالح ناصر في كتابه منهج الدعوة عند الإباضية استعمل" تاهرت " بالألف بدلا من " تيهرت " كما مر ، بالرغم أن تحقيقه مع بحاز لكتاب ابن الصغير كان متقدما على تأليفه لكتابه منهج الدعوة عند الإباضية ، حيث أنهما حققا كتاب ابن الصغير في سنة 1405هـ/ 1985م ، وكتابه منهج الدعوة عند الإباضية صدر في سنة 1418هـ/ 1997م ، فهل تراجع عن ترجيح " تيهرت " بالياء إلى القول أنها " تاهرت " بالألف ؟ أم أن ذلك سهو منه ؟ الله أعلم ( أنظر : ابن الصغير ، تاريخ الأئمة الرستميين ، ص28 الهامش ) .
ونجد الشيخ عبد الله الباروني يذكرها في قصيدة له " تيهرت " بالياء كما نقل عنه ابنه الشيخ سليمان باشا الباروني في الأزهار 2/300 حيث قال :
وأين الأئمة الكرام جميعهم :: بنو رستم كأس المنايا تجرعوا
لقد أسسوا تيهرت بالغرب وارتقوا :: مدارج عز الملك فيه وأبدعوا
وداموا بها خمسين عاما ومائة :: يحفهم من بالغضب يقطع
فبددهم ريب المنون وأصبحت :: منازلهم قفرا بها الريح زعزع
وقد ذهب الإمام القطب ـ رحمه الله ـ كما نقل عنه بحاز إلى ترجيح " تيهرت " بالياء بدلا من " تاهرت " بالألف حيث قال : " وتيهرت بكسر التاء وإسكان الياء بعدها إسكانا ميتا ، وبفتحها وإسكان الياء بعدها حيا والفتح أولى ، وبفتح الهاء وبعدها راء مهملة ساكنة والتاء مجرورة في السطر لا على صورة هاء لأنها تاء تأنيث في لغة البربر … ويقال : تاهرت بالألف وهو ضعيف " إهـ ( محمد اطفيش ، الرد على العقبي ، ص70 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ) . =
= والغريب أننا نجد هذا الخلاف في اسم تيهرت عند شعراء تيهرت أنفسهم ، فنجد الشاعر أبو عبد الرحمن بكر بن حماد وهو من شعراء تيهرت يذكرها بالألف في قصيدة له واصفا شدة البرد في تيهرت فيقول :
ما أخشن البرد وريعانه :: وأطراف الشمس بتاهرت
تبدو من الغيم إذا ما بدت :: كأنها تنتشر من تحت
فنحن في بحر بلا لجة :: تجري بنا الريح على السمت
نفرح بالشمس إذا ما بدت :: كفرحة الذمي بالسبت
( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 2/427 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/43 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/70 ، ذكر الشيخ الباروني البيت الأول وهو : ما أخشن البرد وريعانه :: وأطراف الشمس بتاهرت ) .
ونجد شاعرا آخر من شعراء تيهرت يذكرها بالياء فيقول :
سقى الله تيهرت المنا وسويقة :: بساكنها غيثا يطيب به المحل
كأن لم يكن والدار جامعة لنا :: ولم يجتمع وصل لنا لا ولا أهل
ونجد الشاعر أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي يذكرها كذلك بالياء ، فيقول :
تيهرت أنت خلية وبرقة :: عوضت عنك ببصرة فاعتاض
وأيضا الشاعر سعد بن أشكل التيهرتي يذكرها بالياء ، فيقول :
وأصبحت عن تيهرت في دار غربة :: وأسلمني مر القضاء من القدر
( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/77 ، 78 ، 301 )
فنلاحظ أن ثلاثة شعراء من تيهرت ذكروها بالياء " تيهرت " مقابل شاعر واحد ذكرها " تاهرت " بالألف ، فلعلنا نستنتج من ذلك أن " تيهرت " بالياء أصح من " تاهرت " بالألف .
وكذلك نجد الخلاف وقع في نسبة بعض علماء تيهرت ، فبعضهم ذكر بالياء " التيهرتي " وبعضهم ذكر بالألف " التاهرتي ، ومنهم :
العلامة زكرياء بن بكر بن أحمد الغسالي التاهرتي ، والعلامة عبد الله بن محمد بن عيسى بن حسين التميمي التاهرتي ، والعلامة الحسن بن علي بن طريف أبو علي النحوي المعروف بالتاهرتي ، وغيرهم ، وفي المقابل نجد بعضهم ذكر بالتيهرتي في نسبته منهم : ابن الخزاز أحمد بن فتح التيهرتي ، وسعد بن أشكل التيهرتي ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/75 ، 76 ، 77 ، 78 ) .
ولعل" تيهرت " بالياء أصح من " تاهرت " بالألف بناء على ترجيح الإمام القطب ود/ محمد صالح وإبراهيم بحاز وأبي الفداء ، ولأن أغلب الباحثين المغاربة المتقدمين يذكرونها بالياء " تيهرت " كالشماخي في سيره ، والرقيق القيرواني ، وابن عذارى ، وابن سعيد المغربي كما مر ، والله أعلم .
وينبغي التنبيه أن هناك تيهرت القديمة وتيهرت الحديثة ، فتيهرت الحديثة هي التي بناها الإمام عبد الرحمن بن رستم بين سنة 155هـ و 160هـ ، واتخذها عاصمة للدولة الرستمية ، وهي تبعد عن تيهرت القديمة بمقدار خمسة أميال أو مراحل ، وهناك من قال بمقدار مرحلة واحدة ، وأما تيهرت القديمة فكانت مدينة بربرية لملوك البربر ، ثم سيطر عليها الرومان وجعلوها أسقفية نصرانية ، وقد غزاها عقبة بن نافع - رضي الله عنه - واحتلها ، فأصبحت عاصمة لنواحيها فظهر فيها بعض الأمراء كعبد الخالق ، وابن بخاته ، ولما وصل إليها الإمام عبد الرحمن بن رستم كان يسيطر عليها قوم من البربر يدعون " برفجانة " ، فبنى الإمام عبد الرحمن بقربهم تيهرت الحديثة .
وتقع " تيهرت " العاصمة الرستمية على بعد 9 كيلومترات من تيهرت اليوم ، وتبعد عن مدينة الجزائر العاصمة في الشمال الشرقي بحوالي 430 كلم ، وتفصلها مسافة 240 كلم عن مدينة وهران في الشمال الغربي ، وتعرف تيهرت اليوم باسم " تيارت " وهو اسم فرنسي محرف عن تيهرت ؛ وتيهرت كلمة بربرية ، يرى مستشرقان فرنسيان مختصان في اللسان البربري أن " تيهرت " كلمة تعني عند أحدهما " محطة " وعند الآخر " إقامة " ، وقد ذكر الباحث بحاز معلقا على ما ذهب إليه هذان الباحثان : " ويبدو جليا أن لا فرق كبير بين المعنيين ، إذ المحطة للإقامة أو الإقامة بالمحطة فكلاهما جائز . ولا شك أن تيهرت لعبت هذين الدورين منذ العهد الروماني ، فالرستمي ، إلى يومنا هذا ، وهما يشيران بوضوح إلى دور تيهرت التجاري بين الشمال والجنوب ، والشرق والغرب " إهـ .
( أنظر : ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، 2/427 ـ القزويني ، آثار البلاد وأخبار العباد ، ص179 ـ ابن عذارى المراكشي ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، 1/196 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/41 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص28- 29 الهامش ـ الباروني ، الأزهار ، 2/6 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص84 ، ص87 الهامش ، ص90 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/261 ـ 264 ) .