2 - المطلب الأول: أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية:
الجزء ١ · صفحة ١٤٨مركزا مهما للدراسات الإسلامية وفقا لمذهب الخوارج الإباضية (1)
(1) **- لقد دأب كثير من كتاب المقالات إلى إلصاق مصطلح الخوارج بالإباضية ، إما لأهواء في أنفسهم خدمة لبعض السياسات كالسياسة الأموية ، أو لتعصبات مذهبية ؛ ومصطلح " الخوارج " مبهم عائم يحتاج إلى توضيح المقصود به ، فكل أحد يفسره وفق مبادئه أو مصالحه ، قال الشيخ ناصر السابعي : " ومن خلال ما تقدم يتراءى أن هذا المصطلح كان لكل فريق من مستخدميه وجهة هو موليها ، فعلى حين يبدو من الربط بين الخوارج والمارقة من قبل الأمويين قصد الذم واللمز ، يتضح من عبارات الأزارقة وأشعارهم إرادة الثناء والتمدح ، كما تصرح عبارة عبد الله بن إباض بالثناء على الخوارج في قوله : " … فهذا خبر الخوارج نشهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداء ولمن والاهم أولياء بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا … " مع سحبه هذا اللقب عن الأزارقة في قوله : " … غير أننا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس … " " إهـ .
فمصطلح الخوارج يأتي على عدة تفسيرات تتراوح بين المدح والذم ، فالخروج يأتي بمعنى الخروج في سبيل الله قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ ( التوبة : 46 ) ، وقال تعالى : ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ ( النساء : 100 ) ، إذا فهو مدح بهذا التفسير وهو الخروج في سبيل الله وليس ذما ؛ وكذلك يأتي بمعنى الخروج السياسي على الحاكم ، سواء خروجا على أئمة الحق كما فعل معاوية بخروجه على علي بن أبي طالب ، فمعاوية باغ بخروجه على الإمام علي الذي ارتضت الأمة إمامته ، وقد يكون الخروج على أئمة الجور المعطلين لحدود الله ، بهدف إقامة الحق وتطبيق شرع الله في أرضه ، وبهذا التفسير يفسر الإباضية خروجهم ، وخروج الرعيل الأول لهم وهم أهل النهروان الذين خرجوا على الإمام علي لما انحرف عن المنهج الصحيح ورضي بالتحكيم في شيء حكم الله تعالى فيه بنص كتابه ؛ فالإباضية في جميع ثوراتهم يفسرون خروجهم خروجا سياسيا على الظلم ، والأمثله على ذلك كثيره كخروجهم على حكام بني أمية وبني العباس الجوره المعطلين لحدود الله ، وإقامتهم الدول الإباضية في المغرب والمشرق المطبقة لشرع الله ، وخروجهم في عمان على بعض الحكام الجائرين بهدف إقامة الدول الإسلامية المطبقة لشرع الله .
والخروج على أئمة الجور ـ كبني أمية وبني العباس ـ لم يتفرد به الإباضية وحدهم بل وافقهم على ذلك جمهور الأمة ، قال ابن حزم : " وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك ، قالوا : فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك ، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد ، وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة ، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة … وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسين بن علي وبقية الصحابة والمهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين . وقول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم كأنس بن مالك وكل ممن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار … ـ وذكر أسماء كثير من التابعين وأتباعهم ـ ثم قال : وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حي وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم ، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا " إهـ .
إذا فخروج الإباضية السياسي على الحكام الجائرين ، ليس ذما لهم بل هو مدح وشرف يستحقون الثناء عليه ، كذلك لم ينفردوا وحدهم بهذا القول فقد وافقهم عليه جمهور الأمة كما رأينا من كلام ابن حزم ، فلماذا نعت الإباضية بلقب الخوارج دون غيرهم ، أو ليس هذا دليلا على التعصب الأعمى من قبل من نعتهم بهذا النعت دون غيرهم ؟!
ويأتي كذاك مصطلح " الخوارج " بمعنى الخروج من الملة الإسلامية والمروق من الدين ، وقد حاولت بعض الفرق الإسلامية إلصاق هذه التهمة بالخارجين على الإمام علي من أهل النهروان ، وبالطبع ينسحب الحكم على الإباضية لأن أهل النهروان هم الرعيل الأول للإباضية ، وقد يحاول بعض الكتاب تلطيف الجو بالقول أن الإباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى أهل السنة والجماعة ، وكأن أهل السنة والجماعة أصبحت هي المقياس الذي يقاس به المسلمون .
ولكن ما الجرم الذي ارتكبه أهل النهروان حتى يتم إخراجهم من الملة الإسلامية وينعتوا بالمروق والخروج ، ألأنهم خرجوا على الإمام علي ؟! وهل هم وحدهم الذين خرجوا على الإمام علي ؟! ، ألم يخرج عليه الزبير وطلحة وعائشة أم المؤمنين يوم الجمل ؟! ، وألم يخرج عليه معاوية وأهل الشام يوم صفين ؟! فلماذا لا ينعتون بما نعت به أهل النهروان ؟! لماذا خص أهل النهروان بالمروق والخروج دون غيرهم ؟!
وأما الروايات التي تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في الخوارج وأنها تنطبق على أهل النهروان فقد تكفل بدراستها الشيخ ناصر السابعي في كتابه الخوارج والحقيقة الغائبة وبين ما فيها من أوجه الضعف واللبس ، فمن أرادها يجدها في كتاب الخوارج والحقيقة الغائبة للشيخ السابعي حفظه الله .
والملاحظ أن الرعيل الأول للإباضية لم يستنكف من لقب الخوارج بل كان يعترف به ويفسره أئمتهم الأوائل بالخروج السياسي على أئمة الجور كما مر وليس بالخروج من الدين أو باستباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم كما يرى بعض أصحاب =
= الأهواء ، ولكن لما تطور الأمر وزعم الأزارقة والنجدات استباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم ، تبرأ الإباضية منهم وردوا عليهم ، وبينوا موقفهم من هذه الفتنة بكل صراحة ووضوح ، وهو أنهم لا يجيزون قتل المسلمين بغير حق ولا سبي ذراريهم ولا غنم أموالهم ، قال سالم بن ذكوان الهلالي - هو من أئمة الإباضية الأوائل - في سيرته : " ثم تتابعت على ذلك خوارج المسلمين ـ يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور ـ يحكمون الله وحده ويرضون سبيل من مضى قبلهم من المسلمين ، لا يقتلون ذرية قومهم ، ولا يستحلون فروج نسائهم ، ولا يستعرضونهم ، ولا يخمسون أموالهم ، ولا يقطعون الميراث منهم ، ويؤدون الأمانة إليهم وإلى غيرهم … ثم خرج من بعدهم ابن الأزرق وأصحابه ، فمكثوا ما شاء الله بسيرة من كان قبلهم من الخوارج ـ يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور ـ ثم إنهم جرمهم شنئان قوم أن أنزلوهم بمنازل عبدة الأوثان ، فقطعوا الميراث منهم ، وحرموا مناكحتهم وقد ناكحهم من يتولون ووارثهم ، فإن يكن ذلك هدى عمل به من يتولون ، فقد خالفوهم فيه ودانوا اليوم بالبراءة ممن عمل به ، وإن يكن ذلك ضلالة ضلوا بتوليتهم من عمل به واستحلوا سبا قومهم واستنكاح نسائهم وخمس أموالهم وقتل ذراريهم واستعراضهم … ثم كان من بعدهم أهل اليمامة نجدة وأصحابه ، فشهدوا على قومهم أنهم بمنزلة عبدة الأوثان ، ثم استحلوا من نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم ما حرم الله من نساء المشركين وذبائحهم … " إهـ ، وقد رد على شبههم في سيرته فانظرها في محلها .؛ وقال عبد الله بن إباض في كتابه إلى عبد الملك بن مروان موضحا موقف الإباضية من الأزارقه : " … هذا خبر الخوارج ـ يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور ـ شهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداؤنا ولمن والاهم أولياؤنا بألسنتنا وأيدينا وقلوبنا ، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه عند ربنا . إنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه ، لقد كان حين خرج ، على الإسلام فيما ظهر لنا ، ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه ، فنبرأ إلى الله منهم … " إهـ ؛ وقال أبو حمزة الشاري في خطبته المشهورة مبينا فكر الإباضية وعقيدتهم التي جهلها الكثير ممن افترى عليهم : " … الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن ، أو كافرا من أهل الكتاب ، أو إماما جائرا … " إهـ .
هذا بالنسبة لأئمة الإباضية الأوائل فكل من الإمام عبد الله بن إباض وسالم بن ذكوان وأبي حمزة الشاري عاشوا في القرن الأول الهجري أي في فترة الفتنة ، وكذلك نجد نفس الموقف عند أئمة الإباضية المتأخرين من عدم جواز استباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم ، فنجد الإمام السالمي رحمه الله ـ ولد سنة 1286هـ ، وتوفي سنة 1332هـ ـ يقول : " واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحا ، لأنه جمع خارجة ، وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى ، قال عز وجل : ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ ( التوبة : 46 ) ، ثم صار ذما لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذم فيمن اتصف بذلك آخر الزمان ، ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية ، فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها ، فمن ثم ترى أصحابنا ـ يقصد الإباضية ـ لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة " إهـ .
وقال - أي الإمام السالمي رحمه الله - في جوهر النظام :
ومال أهل البغي لا يحل :: وإن يكن قوم له استحلوا
خوارج غلت وصارت مارقة :: من دينها صفرية أزارقة
فحكموا بحكم المشركينا :: جهلا على بغاة المسلمينا
فعرضوا للناس بالسيف كما :: قد استحلوا المال منهم مغنما
وأمة المختار فارقتهم :: وضللتهم وفسقتهم
ووردت فيهم عن المختار :: جملة أخبار مع الآثار
وفيهم المروق يعرفنا :: ومنهم لا شك نبرأنا
وقال الشيخ القنوبي حفظه الله : " … والحق أن الإباضية لا علاقة لهم بالخوارج ، ومن تصفح كتبهم ـ أعني الإباضية ـ تبين له ذلك من أول نظرة … " إهـ .
( أنظر : ابن حزم ، الفصل ، 4/171- 172 نقلا عن : سعيد بن مبروك القنوبي ، السيف الحاد ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط3 : 1418هـ ، ص43 ـ القنوبي ، السيف الحاد ، ص42 ـ ناصر بن سليمان السابعي ، الخوارج والحقيقة الغائبة ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1420هـ/ 1999م ، ص148- 149 ـ سيرة سالم بن ذكوان أنظر : محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص365 ، 368 ـ كتاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان أنظر : محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص334- 335 ـ خطبة أبي حمزة الشاري في أهل المدينة أنظر : محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص108ـ340 ـ السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/59 ـ عبد الله بن حميد السالمي ، جوهر النظام ، ج3 ، مطبعة الألوان الحديثة ، سلطنة عمان ، ص231 ـ ولمزيد معلومات عن مدى العلاقة بين الإباضية والخوارج أنظر : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص43- 72 ، 120 ـ بكير بن سعيد أعوشت ، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ط4 :1409هـ ، ص29- 42 ـ مهني التيواجني وآخرون ، هذه مبادئنا ، ص49- 66 ـ محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص42 ـ 58 ) .