3 - المطلب الثاني: جبل نفوسة والحركة العلمية فيه:
الجزء ١ · صفحة ١٩٢إن وجود هذا الجو العلمي النشيط ، وكثرة العلماء ، وانتشار المكتبات ، ساهم بشكل كبير في حركة التأليف من قبل علماء جبل نفوسة ، فتركوا لنا عددا كبيرا من المؤلفات يصعب حصرها ، بعضها موجود ، وقد تمكن الباحثون من الوصول إليه ونشره وتحقيقه ، وبعضها لا يزال في ظلام الرفوف وتحت الغبار ، يحتاج إلى من يزيل عنه التراب ، وينفض عنه غبار الزمن ، وإهمال السنين ، والكثير منها ضاع حرقا وسرقة في الفتن التي تعرض لها الجبل ؛ وقد تميزت مؤلفات علماء نفوسة بالتنوع والشمول ، فلم تقتصر على جانب واحد ، بل طرقت أغلب أبواب العلم ، سواء كان الشرعي بمختلف فروعه ، أو اللغة ، أوالتاريخ ، أو غيره من فنون العلم ، وليس هذا فحسب بل كان علماء جبل نفوسة أول من ألف الموسوعات العلمية في الإسلام كما يذكر الباحث محمد دبوز (1) ؛ فمن الموسوعات التي تركها لنا علماء جبل نفوسة " ديوان العزابة " في خمسة وعشرين جزءا ، ألفه ثمانية علماء ، ويوجد هذا الكتاب مخطوطا في خزائن وادي ميزاب (2)
(1) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388 .
(2) *- وادي ميزاب أو مزاب : يقع في جنوب شرق الجزائر ، ويشغل الجزء الأكبر من بلاد الشبكة ، وبلاد الشبكة تطلق على هضبة كلسية تقع شمالي صحراء الجزائر ، وتمتاز بطبيعتها القاسية ، فهي صحراء ضمن صحراء ، ومساحة بلاد الشبكة حوالي 38 ألف كيلومتر مربع ، ومركز بلاد الشبكة الحالي مدينة " غرداية " أكبر مدن وادي ميزاب ، التي تبعد عن العاصمة الجزائر بـ 490 كيلو مترا جنوبا ؛ هواء هذه المنطقة جاف جدا ، وتبلغ الدرجة القصوى للحرارة ببلاد الشبكة خمسين درجة ، بينما أدنى درجة لا تنزل تحت درجة واحدة تحت الصفر ، ومعدل الأمطار بها ستة وستون ميليمترا ؛ وأهل ميزاب يسمون بلادهم بلغتهم البربرية " أَغْلاَنْ " ويطلقون على وادي ميزاب " إِغْزَرْ أَوَّ غْلاَنْ " ؛ و" إِغْزَرْ " هي كلمة ميزابية معناها
" وادي " ؛ وعدد سكان وادي ميزاب بقراه السبع بلغ ( 116638 ) نسمة حسب إحصائات عام 1960م ، تكثر في وادي ميزاب الواحات وأشجار النخيل ؛ ويمارس أهل ميزاب بعض الصناعات كصناعة مواد البناء من جير وجبس ، وصناعة النسيج وغيرها ، ويشتهرون بممارسة التجارة ؛ ووادي ميزاب يعد معقلا للمذهب الإباضي في هذا الوقت ، ويتكون من سبع مدن تتفاوت من حيث الكبر ، وهي : 1- مدينة العطف : أسسها مؤسس نظام العزابة الشيخ أبو عبد الله البكري ، في النصف الأول من القرن الخامس الهجري ، وهي تعتبر أولى مدن وادي ميزاب تأسيسا ، 2- غرداية : وهي أكبرها الآن ، 3- بني يسجن : التي ولد فيها الإمام القطب ، 4- مليكة ، 5- بونورة ، 6- بريان ، 7- القرارة ، وقد خرج وادي ميزاب الكثير من العلماء على مر القرون ، ولا زال يخرج ، وتراجمهم ومؤلفاتهم وأقوالهم منتشرة ومبثوثة في الكتب ( أنظر : فرحات الجعبيري ، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة ، المعهد القومي للفنون والآثار ، المكتبة التاريخية ، المطبعة العصرية ، تونس ، 1975 ، ص13- يوسف بن بكير الحاج سعيد ، تاريخ بني مزاب ونضالهم من أجل الحق في التباين ، المطبعة العربية ، غرداية ، وادي ميزاب ، الجزائر ، ص9 ، 37- 48 ، 207- 210 ) .