الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقائدي مهنا بن راشد بن حمد السعدي

7 - المطلب السادس: العلاقات الثقافية بين الدولة الرستمية وبلاد المغرب والمشرق وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس:

الجزء ١ · صفحة ٢٩٨

وكان موسم الحج يعتبر من أحسن المواسم للتبادل الثقافي بين المغرب والمشرق ، وكان أهل المغرب لايفوتون فرصة الحج بل يتسابقون إلى أداء هذا النسك العظيم ، وقد ذكرت المصادر عن أهل نفوسة أنهم كانوا اكثر الناس حجا ، فكانوا يحجون بنسائهم وذراريهم ، حتى قيل إنه ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر ، فضلا عن المواليد من الإناث أو النساء اللائي لم يلدن ، أو الرجال المرافقين لهن (1) ؛ فكان أهل المغرب يستغلون مناسبة الحج للالتقاء بأصحابهم من أهل المشرق ، فيستفيد كل طرف من علم ومؤلفات الطرف الآخر ، فمن ذلك ما روي عن الشيخ عمروس ومجموعة من أصحابه من أهل المغرب توجهوا إلى المشرق لأداء الحج ، فلما نزلوا مكة وجدوا بها الشيخ أبا عبد الله محمد بن محبوب (2) ،

(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/325 ـ الشماخي ، السير ، 1/195 .

(2) *- هو أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل بن هبيرة المخزومي القرشي ، كهف من كهوف العلم ، وأحد المجتهدين ، انتهت إليه إمامة الإباضية العلمية في أيامه بالمشرق بعد أبيه ، أقام بمكة ، ثم انتقل إلى عمان ، فتصدى لنشر العلم ، ولعب دورا مهما في إقرار الإمامة بعمان ، فكان إمام أهل الحل والعقد الذين نصبوا الصلت بن مالك الخروصي إماما ( 237- 272هـ ) ، ترك ثروة علمية ضخمة ، فمن مؤلفاته " كتاب الجامع " في سبعين جزءا ، وكان الشيخ أبو صالح بكر بن قاسم اليراسني من علماء المغرب يقول في " كتاب الجامع " : " هذا كلام محقق ، فقيه ، أصولي " إهـ ، والحقيقة حسب المصادر التي وقعت بين يدي ، فقد اختلفت تسميتها لكتاب الجامع ، فالشيخ بكلي أطلق عليه اسم " كتاب الجامع " ، ود/ مصطفى باجو أطلق عليه " سيرة ابن محبوب إلى أهل المغرب " ، وهذا ما ذكره كذلك د/ النامي عند تعرضه للحديث عن " سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب " فقال : " ....ويقال إن هناك نسخة كاملة من هذه السيرة مؤلفة من سبعين جزءا كانت موجودة في جبل نفوسة حوالي نهاية القرن الرابع الهجري ، وإن الجزء السادس فقط من هذا الكتاب كان موجودا في جزيرة جربة أثناء هذه الفترة … " إهـ ، وقد اعتمد د/ النامي فيما ذكره على ما جاء عند الوسياني في السير ، والدرجيني سماه " مختصر ابن محبوب " ، وقد أشار إلى سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب د/ مبارك الراشدي في كتابه " الإمام أبو عبيدة " ، وذكر أنه يوجد لابن محبوب سيرتان إلى أهل المغرب ، إحداهما تقع في سبعين جزءا ، وذكر أنه لم يعثر عليها ، وأما الأخرى فذكر أنه يوجد لديه قطعة منها ، والظاهر أن الصحيح ما ذكره الشيخ بكلي ، فقد ذكر الشيخ الجعبيري أنه نسب إلي ابن محبوب من الكتب " سيرته إلى أهل المغرب " ( مخ ) وهي مختصرة ، وكتاب في الفقه في سبعين جزءا ، يقصد " كتاب الجامع " الذي ذكره الشيخ بكلي ، ولم يذكر هذه التسمية ، ولعل الشيخ الدرجيني خلط بين كتابي " الجامع " و " سيرة ابن محبوب " ، أو لعله كان يطلق على كلا الكتابين " سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب " كما أشار د/ مبارك الراشدي ، إحداهما تقع في سبعين جزءا والأخرى مختصرة ، فكان الشيخ الدرجيني يقصد السيرة التي تتكون من سبعين جزءا ، ولكن لا أدري هل " كتاب الجامع " هو الاسم الذي أطلقه الشيخ محمد بن محبوب على كتابه بنفسه ، أم أن الشيخ بكلي هو الذي اختار هذ الاسم بمحض إرادته لهذه الموسوعة الفقهية الضخمة للشيخ ابن محبوب ، بحكم ضخامتها وشموليتها ؟ والذي يظهر أن الشيخ بكلي بنفسه أطلق على كتاب ابن محبوب اسم " كتاب الجامع " ، والحقيقة أن المصادر التي استطعت الحصول عليها ، لم تسعفني بالإجابة على هذا التساؤل ، وقد ذكر الشيخ الجعبيري أن علماء جربة كانوا يتدارسون كتاب الجامع في القرن الرابع الهجري ، وينبغي التنبيه أن للشيخ بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل كتاب يقع في سبعين جزءا كذلك عنوانه " الخزانة " ، والظاهر أن لمحمد محبوب كتاب آخر في السنة ومصطلح الحديث تحت عنوان " أبواب مختصرة من السنة " ( مخ ) ، وقد أشار إليه د/ مصطفى باجو في بحثه " تطور علم الأصول في المصادر العمانية " ، ولأقوال ابن محبوب ذكر واعتماد في مؤلفات الإباضية ، فإذا قيل في الأثر المشرقي " قال أبو عبد الله " فالمقصود محمد بن محبوب رحمه الله ، وذكر د/ النامي نقلا عن الوسياني أن ديوان الإمام جابر- هو مجموعة من كتب الإمام جابر- كان بعهدة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، ثم انتقل إلى عهدة الإمام الربيع بن حبيب ، ثم إلى الشيخ أبي سفيان محبوب بن الرحيل ، ثم إلى ابنه محمد بن محبوب ، وعنه نسخ في مكة ، وعمل الشيخ محمد بن محبوب قاضيا على صحار بعمان في عهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي ( حكم عمان : 192- 207هـ ) كما ذكر د/ مبارك الراشدي ولم يشر إلى المصدر الذي اعتمد عليه ، وقد بحثت طويلا في التحفة ، وفي عمان عبر التاريخ ، لأجد ولو إشاره إلى ذلك فلم أجد ، وقد عمل في القضاء في عهد الإمام الصلت بن مالك كذلك ، كما ذكر الإمام السالمي في التحفة ، والشيخ السيابي في عمان عبر التاريخ ، وقد توفي الشيخ محمد بن محبوب في صحار بعمان يوم الجمعة 3 من محرم سنة 260هـ ، وهو لايزال على القضاء بصحار من عمان ، فيتبين - على فرض صحة ما ذكره د/ الراشدي من أن ابن محبوب تولى القضاء على صحار في عهد الإمام غسان - أنه عاصر خمسة أئمة من أئمة عمان وهم على الترتيب : الإمام الوارث بن كعب الخروصي ( حكم : 179- 207هـ ) ، والإمام غسان بن عبد الله اليحمدي ، والإمام عبد الملك بن حميد الأزدي ( حكم : 207وقيل 208هـ - 226هـ ) ، والإمام المهنا بن جيفر اليحمدي ( حكم عمان : 226- 237هـ ) ، والإمام الصلت بن مالك الخروصي ، ومات في عهد هذا الأخير ، وبما أنه عمل في القضاء في عهد الإمام غسان بن عبد الله ، وفي عهد الإمام الصلت بن مالك ، إذا لعله =

= كذلك استمر في القضاء في عهد الإمامين عبد الملك بن حميد و المهنا بن جيفر ، اللذان حكما في الفترة بين الإمامين غسان و الصلت ، فعلى فرض عمر ابن محبوب 20 سنة حين تولى القضاء في عهد الإمام غسان الذي حكم في سنة 192هـ ، إذا يكون مولده في حدود سنة 172هـ ، وعلى ذلك يكون عمره عند وفاته في سنة 260هـ 88 عاما تقريبا ، وعلى فرض صحة هذا فإنه يكون أدرك عهد الإمام الوارث بن كعب ، بل إنه ولد قبل مبايعة الإمام الوارث بسبع سنوات ، فيكون عمره عند مبايعة الإمام الوارث سبع سنوات ، فيكون أدرك قليلا من عهد محمد بن أبي عفان ( حكم عمان : 177- 179 ) ، وعمره كان خمس سنوات عند مبايعة محمد بن عفان ، إذا فقد ولد ابن محبوب في عهد الجبابرة - راشد بن النظر ومحمد بن زائدة - اللذان حكما عمان قبل مبايعة محمد بن عبد الملك سنة 177هـ ، والظاهر أنه ولد في البصرة أو مكة ، وليس في عمان ، وعاش في مكة فترة من الزمن ، ثم قدم عمان الظاهر قبل مجيء أبيه الشيخ محبوب بن الرحيل ، الذي لحق به بعد ذلك - كما سأبين بعد قليل - ولعل الشيخ محمد بن محبوب جاء إلى عمان في عهد الإمام الوارث أو في عهد الإمام غسان ، هذا على فرض صحة ما ذكر د/ الراشدي من أن ابن محبوب تولى القضاء في عهد الإمام غسان ، ولكن الظاهر أن ما ذكره د/ الراشدي يحتاج إلى مزيد نظر ، وذلك أن ابن محبوب توجه إلى صحار في سنة 249هـ كما ذكر الشيخ السيابي ، فولاه الإمام الصلت القضاء عليها ، وقد كان يقيم خارج صحار ، والظاهر أنه كان يقيم في نزوى ، حيث أنه في مرض الإمام عبد الملك ، صلى عمر بن الأخنس بالمسلمين صلاة الجمعة من غير أن يأمره الإمام ، وكان ذلك في نزوى ، فأجاز الشيخ موسى بن علي صلاتهم ، وكان حاضرا ، ولم يجزها الشيخ محمد بن محبوب وقال بنقض صلاة الكل ، وأظن أن الشيخ محمد بن محبوب لن يفتي بذلك إلا إذا كان حاضرا ومطلعا على الوضع ، بحيث يخالف قول الشيخ موسى بن علي الذي يعد إمام العلم في ذلك العصر ، وكذلك عندما مات الإمام المهنا كان من ضمن من بايع الإمام الصلت في نفس يوم وفاة الإمام المهنا ، وكذلك في عهد الإمام المهنا أثيرت قضية خلق القرآن ، التي أثيرت أول ما أثيرت في البصرة ، ووصلت عمان في عهد الإمام المهنا ، فتناقش العلماء في عمان حولها في مكان يسمى " دما " - لعل المقصود به " السيب " تقع على شاطئ خليج عمان في مسقط ، حيث أنها كانت تسمى " دما " سابقا - ، وكان الشيخ محمد بن محبوب من ضمنهم ، وأدلى بقوله في المسألة وهو أن القرآن مخلوق ، والظاهر أن الشيخ محمد بن محبوب جاء إلى عمان في عهد الإمام عبد الملك ، حيث أنه لا ذكر له في الأحداث التي وقعت قبل عهد الإمام عبد الملك كما يظهر، وإنما ظهر ذكره في عهد الإمام عبد الملك ، ولعله جاء إلى عمان قبل مجيء والده الشيخ محبوب إليها ، وذلك أنه كان الشيخ محبوب لا يزال موجودا في البصرة في عهد الإمام المهنا ، والدليل ما ذكر الإمام السالمي من أنه وقع خلاف في البصرة بين محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان في عهد الإمام المهنا ، في مسائل خالف فيها هارون قول المسلمين ، فتوجه هارون إلى اليمن، فكتب الشيخ محبوب رسالة إلى اليمن يحذر الإباضية هناك من هارون ، وأرسل هارون برسالة ضد الشيخ محبوب إلى الإمام المهنا ، فأرسلها الإمام المهنا إلى محبوب في البصرة ، فرد عليه الشيخ محبوب برسالة يوضح له أمر هارون بن اليمان وما خالف فيه المسلمين ، وكان الحق عند محبوب ، فأخذت به عمان وحضرموت كما ذكر الإمام السالمي ، وقد ذكر د/ الراشدي أن الرسائل يبن هارون والإمام المهنا والشيخ محبوب موجودة ، إذا فلعل الشيخ محبوب بن الرحيل قدم إلى عمان بعد ذلك في عهد الإمام المهنا ، ومات في عمان في نفس عهد الإمام المهنا ، بعد أن عمر طويلا ، وهناك من يرى أن الحادثة بين الشيخ محبوب وهارون بن اليمان وقعت في عهد الإمام غسان وليس في عهد الإمام المهنا ، وعلى هذا الشيخ سيف البطاشي صاحب " اتحاف الأعيان " ، حيث ذهب إلى أن الحادثة وقعت في عهد الإمام غسان ، وقال أن ما ذكره الإمام السالمي من أن الحادثة وقعت في عهد الإمام المهنا فيه نظر ، وذلك أن الإمام المهنا بويع سنة 226هـ ، ومات سنة 237هـ ، ومحبوب أحد تلاميذ الربيع وربيبه ، ومن الخمسة الذين حملوا العلم عن الإمام الربيع إلى عمان ، ومن بينهم الشيخ موسى بن أبي جابر ، المتوفى سنة 181هـ ، بعدما شاخ وكبر وجاوز التسعين سنة ، ومحبوب من زملائه ، فبلوغه إلى أيام الإمام المهنا فيه نوع من البعد ، هذا ما ذكره الشيخ البطاشي ، وعلى فرض صحته ، وأنه أي الشيخ محبوب جاء إلى عمان في عهد الإمام غسان ، فلعل الشيخ محمد بن محبوب جاء معه ، ولعله كان في سن تؤهله لمنصب القضاء – فقد ذكرت بعض المصادر أنه أكبر أبناء الشيخ محبوب - فقلده الإمام غسان قضاء صحار ، فتوجه إليها مع أبيه ، ومات أبوه الشيخ محبوب بها كما تذكر بعض المصادر ، ولعل الشيخ محمد بن محبوب ترك القضاء بعد ذلك وعاد إلى نزوى حيث كان له ظهور في الأحداث التي ذكرتها ، ثم ولاه الإمام الصلت قضاء صحار من جديد في سنة 249هـ ، فتوجه إليها ومات فيها في عهد الإمام الصلت ، وفي المقابل لعله لم يعمل في القضاء في عهد الإمام غسان ، وإنما عمل في القضاء في عهد الإمام الصلت فقط ، فلعل أباه الشيخ محبوب توجه إلى صحار بمفرده – قد يكون لهم أقارب هناك – وانطلق الشيخ محمد بن محبوب إلى نزوى ليجالس الأئمة والعلماء ويستزيد من علمهم ، حتى عهد الإمام الصلت الذي ولاه قضاء صحار والله أعلم ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/357- الجيطالي ، القواعد ، 1/54 الهامش ، 1/55 - 56 الهامش - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص50 ، 79 ، 126- 127- الجعبيري ، البعد الحضاري ، ص107 الهامش - الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ص30- الراشدي ، الإمام أبو عبيدة ، ص27 الهامش ، ص50 الهامش ، ص242- 243- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/37 ،69 ، 78 ، 102 ، 104 ، 113- السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/107 ، 109 ، 112 ، 119 120، 124 ، 132 ، 133 ، 154 ، 155 ،160 ، 193، - البطاشي =

= ، إتحاف الأعيان ، 1/217 - 219- د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ ، الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا ، 1- بحث " تطور علم الأصول في المصادر العمانية ، د/ مصطفى باجو ، ص122 الهامش ، 2- بحث " العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر ، محمد بوحجام ، ص235 الهامش " ) .

٢٩٨ / ٥٩١