[كُفْرُ النِّعْمة وأصله مِن التَّّشريع]
الجزء ١ · صفحة ٦١و في الحديث قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - : " لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفْاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْضٍ " (3) فسماهم بذلك كفاراً، و كذلك قوله - صلى الله عليه و سلم :- " مَنْ أَتَى كَاهِناً أَو عَرَّافاً فَصَدَّقَهُ فِيمَا قَالَ فَقَدْ كَفَرَ " (4)، و عنه - صلى الله عليه و سلم - : " مَنْ قَالَ مَطَرْنَا بِفَضْلِ اللهِ و بِرَحْمَتِهِ فَهُوَ مُؤمِنٌ بِي كَافِرٌ بالكواكب، ومَنْ قَالَ مَطَرْنَا بَنَوءِ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤمِنٌ بِالكَوَاكِبَ " الآيات_و_الأحاديث (5) في عِدَّةِ أحاديث لا يمكن إيرادها كلها، و هي بمجموعها تدل على حصول الكفر بذلك الفعل، فهل تراه مشركا حلال الدم و المال ؟؟.
ولما أعيى هذا الحال على قومنا معرفة المراد به، تَكَلَّفُوا فيه التأويلات التي لا تتناسب بالمقام.
و المراد [40] بكفر النعمة عند الأصحاب هو كونه نال الهدى من الله فصار مسلماً، و المسلم لا يعصى المنعم عليه بذلك الفضل العظيم الذي مَنَّ الله به عليه : " لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي و هُوَ مُؤمِنٌ " (6) بل يسلب عنه الإيمان باقتراف الزَّنا، و المراد بالفاسق الخارج عن خُطَّة الدِّين ؛ فإن الفسق في اللغة الخروج (7)، و لا يعنون بالكافر المشرك، و لكنَّ قومنا يخالفونا لمَّا لم يفهموا معنى الكفر، و سمعوا الإباضية يقولون به، قالوا إنَّ الإباضية يجعلون أهل القبلة مشركين، و يكون بذلك استحلالهم الدماء و الأموال ؛ لأنَّ المشرك ذلك الحكم فيه وارد في الكتاب و السنة.
و لذلك أيضا أطلقوا عليهم اسم الخوارج، لأنَّ الخوارج مذهبهم حِلِّية أموال أهل القبلة و دماءهم، لأنَّهم مشركون معهم تَفْرِيعاً على معنى الكفر الذي فهموه، فنشروا عن الإباضية ذلك و لم يقولوه، و لا فعلوه، بل علقوه عليهم زوراً، و بُهْتَاناً.
(1) المائدة : 44.
(2) آل عمران : 97.