1- الفطرة بذرة الإيمان في الإنسان:
الجزء ١ · صفحة ١١وهذا الإحساس يقيني ولكن لا تدركه حواسنا لأن كلمة الله أو وجود الله فوق قدرات الإنسان المحدودة.
فالحواس تتصور وجود الله تعالى وتحس بوجود قوة خارقة أحدثت هذا العالم لكنها لا تدرك كنهه فسبحانه:
( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) الأنعام : 103
فذات الله تعدت في عظمتها وجلالها حدود العقل وهي خارج نطاق الحواس .وتبقى الكلمة لما في داخل النفس لتقول لنا: إن هذه القوة موجودة داخلها والنفس تفهم وتحس بوجودها.(3)
وهذا الإدراك أو هذا الشعور الباطني هو أصح وأدق من أي شعور بل هو يقيني في باطن الإنسان إذا لم تشبه شائبة أو يكدر صفوه مكدر.
قول أبو حامد الغزالي: إن وراء الإدراك الحسي والعقلي إدراكاً أصح وآمن وأدعى للثقة.(4)
وقد يظن البعض أن الشعور الباطني داخل النفس الكافرة قد إنطمس وانتهى أمره. وهذا خطأ. إن بذرة الإيمان يخبو نورها ويضعف فعلها داخل النفس البشرية بسبب طبقات الآثام المتراكمة عليها وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحالة بقول الحق عزوجل:
( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) المطففين: 14
وإنك ترى أكبر الملحدين حين تنزل به النازلة لا يقوى على دفعها - من خطر عظيم يتعرض له، أو داء عضال يصيبه - لن يتردد في التطلع إلى السماء والرجوع عن غلوانه وعناده فيدعو الله من أعماقه ويرجو النجاة من البلاء مما يدل على أن التدين غريزة غي الإنسان لا يمكنه أن يتخلص منها أو يعيش بدونها، وكيف ينفصل عنها وهي تمثل جوهره الذي يؤلف حقيقته.
---------------------------------------------
1 : صحيح البخاري - الجزء الرابع - دار المعرفة - بيروت - ( باب في القدر ص 144 ).
2 : محمد متولي شعراوي: الله والنفس البشرية - دار الحكمة - بدمشق ص 8.
3 : نفس المرجع السابق- ص8