من إذا كنت مستفهما بها عن نكرة
الجزء ١ · صفحة ١٢١و الإفراد في أي الذي بدأنا به حسن؛ لما ذكرنا في الباب الذي قبله.
و لو قلت: رأيت الرجال، أو مررت بالرجال، أو جاءني الرجال لقلت: أيون الرجال؟ وأي الرجال؟ على ما وصفت لك.
و اعلم أنه إذا ذكر شيء من غير الآدميين وقعت عليه أي كما تقع على الآدميين؛ لأنها عامة، وليست ك من.
و ذلك أنه لو قال: ركبت حماراً لكان الجواب: أياً؟ أو قال: مررت بحمار لقلت: أيٍّ يا فتى؟. فإن وقفت قلت: أي، على ما شرحت لك.
و إن قال: هذا الحمار قلت: أيٌّ الحمار؟ كما كنت قائلاً في الآدميين.
هذا باب
من إذا كنت مستفهماً بها عن نكرة
إذا قال لك رجل: رأيت رجلاً، فإن الجواب أن تقول: منا؟. أو قال: جاءني رجل، فإنك تقول: منو؟. أو قال: مررت برجل، قلت: مني؟ وليست هذه الواو والياء والألف اللواحق في من إعراباً، ولكنهن لحقن في الوقف للحكاية. فهن دليل، ولسن بإعراب.
فإن قال: جاءني رجلان، قلت: منان؟. وإن قال: مررت برجلين أو رأيت رجلين، قلت: منين؟ وإن قال: رأيت امرأةً أو هذه امرأةٌ أو مررت بامرأةٍ قلت: منه؟.
فإن قال: جاءتني امرأتان. قلت: منتان؟. تسكن النون، كما كانت في من ساكنة. وإنما حركتها فيما قبل من أجل ما بعدها؛ لأن هاء التأنيث لا تقع إلا بعد حرف متحرك، وكذلك حروف التثنية، أعني: الياء، والألف لسكونهما.
فأما قولك: منو، ومني فإنما حركت معها النون لعلتين.
إحداهما: قولك في النصب، منا؛ لأن الألف لا تقع إلا بعد مفتوح. فلما حركت في النصب حركت في الخفض والرفع؛ ليكون المجرى واحداً.
و العلة الأخرى: أن الياء والواو خفيتان. فإن جعلت قبل كل واحدة منهما الحركة التي هي منها ظهرتا، وتبينتا.
فإن قال لك: جاءني رجال قلت: منون؟.
و إن قال: مررت برجال، أو رأيت رجالاً قلت: منين؟.
و إن قال: رأيت نساءً، أو مررت بنساءٍ، أو جاءتني نساء قلت: منات؟.
فإن وصلت قلت في جميع هذا: من يا فتى؟ لأنها الأصل، وإنما ألحقت تلك الدلائل في الوقف، فصرن بمنزلة ما يلحق في الوقف مما لا يثبت في الوصل.
فأما الوصل فليس فيه إلا ما ذكرت لك؟ لأن من في النصب والرفع، والخفض، والمؤنث، والمذكر والتثنية، والجمع على لفظٍ واحد. تقول: رأيت من في الدار، وجاءني من في الدار. وقد شرحنا العلة في ذلك.
فإن اضطر شاعر جاز أن يصل بالعلامة. وليس ذلك بحسن. قال الشاعر:
أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ … فقالوا: الجن. قلت: عموا ظلاما
و لو قال قائل إذا قيل له: جاءني رجال منو؟ وإن قيل له: رأيت رجالاً قال: منا؟ أو مررت برجال فقال: مني؟ يلحق العلامة، ولا يثنى؟ من ولا يجمعها كان جائزاً. والأكثر ما بدأنا به. وقياس من فيها ما ذكرت لك ما تقدم شرحه من أنها مفردة تقع للجميع وللإثنين وغير ذلك، ولا تظهر فيها علامة.
هذا باب من إذا كنت مسترشداً بها عن إثبات معرفة إذا قال لك رجل: جاءني عبد الله فإن السؤال إذا كنت تعرف جماعة كلهم عبد الله: من عبد الله؟.
و إذا قال: رأيت عبد الله قلت: من عبد الله؟ و إن قال: مررت بعبد الله قلت: من عبد الله؟ فهذا سبيل كل اسم علمٍ مستفهم عنه أن تحكيه كما قال المخبر.
و لو قلت: في جميع هذا: من عبد الله؟. كان حسناً جيداً. وإنما حكيت، ليعلم السامع أنك تسأله عن هذا الذي ذكر بعينه، ولم تبتدئ السؤال عن آخر له مثل اسمه. والدليل على ذلك أنك لو قلت: ومن أو فمن لم يكن ما بعدهما إلا رفعاً؛ لأنك عطفت على كلامه، فاستغنيت عن الحكاية؛ لأن العطف لا يكون مبتدءً.
فإن قال: رأيت أخاك، أو مررت بأخيك كان الاستفهام: من أخوك، أو: من أخي؟ ولا تحكى؛ لأن الحكاية إنما تصلح في الأسماء الأعلام خاصةً، لما أذكره لك من أنها على غير منهاج سائر الأسماء.
و كذلك إن قال: رأيت الرجل يا فتى فقلت: من الرجل؟ و كان يونس يجري الحكاية في جميع المعارف. ويرى بابها وباب الأعلام واحداً.
و قد يجوز ما قال، وليس بالوجه. وإنما هو على قول من قيل له: عندي تمرتان فقال: دعني من تمرتان. وقيل له: رأيت قرشياً فقال: ليس بقرشياً.
فهذا جائز وليس هو على الباب. إنما تحكى الجمل؛ نحو: قلت: زيدٌ منطلقٌ؛ لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض. وكذلك قرأت: الحمد لله رب العالمين، ورأيت على خاتمه: الله أكبر.