المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

أي إذا كنت مستفهما مستثبتا

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

و تقول: أيهم أمة الله المتكلم فيها هو. لا يكون في أمة الله إلا الرفع، لأن الفعل في الصلة، فلا يجوز أن تضمر إلا على جهة ما ظهر.

و تقول: أي يومٍ سار زيدٌ إلى عمرو؟ كأنك قلت: أيوم الجمعة سار زيد إلى عمرو؟ فإن قلت: أي يوم سار فيه زيد إلى عمرو رفعت، إلا في قول من قال: يوم الجمعة سرت فيه.

و تقول: أي أصحابك من إن يأتنا من يضربه أخوه يكرمه؛ لأنك جعلت الجزاء خبراً عن أي.

و لو قلت: أي من يأتني آته كان محالاً؛ لأنك إذا أضفت أياً إلى من لم تكن من إلا بمنزلة الذي. فإن قلت: أجعل أياً استفهاماً، وأجعل من جزاءً فقد أحلت؛ لأنك إذا أضفت إلى الجزاء اسماً دخله الجزاء؛ ألا ترى أنك تقول: غلام من يأتك تأته، فيصير الجزاء للغلام صلة.

فإن قلت: فأجعل أياً بمنزلة غلام. قيل: لا يكون كذلك إلا أن توصل؛ لأنها إذا لم تكن جزاءً أو استفهاماً لم تكن إلا موصولة.

فإن قلت: أجعلها استفهاماً. قيل: قد أحلت؛ لأنك قد جعلتها جزاءً واستفهاماً في حال، ومتى كانت في أحدهما بطل الآخر.

فإن قلت: أرفع فأقول: أي من يأتني آتيه؟ فذلك جيد؛ لأنك جعلت يأتيني صلةً، وآتيه خبراً، وأياً استفهاماً. فكأنك قلت: أي القوم آتيه. ولو فصلت أيا من من لجاز فقلت: أيٌّ من يأتيني آته؛ فكانت أي استفهاماً، ومن للجزاء.

و كذلك لو قلت: من من يأتنا نكرمه؟ لكان جيداً. تجعل الهاء في نكرمه راجعة إلى من الأولى، فيكون التقدير: من الرجل الذي من أتانا من الناس أتيناه؟ هذا باب

أي إذا كنت مستفهماً مستثبتاً

إذا قال لك رجل: رأيت رجلاً قلت أياً؟ وذلك أنك أردت أن تحكي كلامه.

فإن قال: جاءني رجل. قلت: أي؟ موقوفة. فإن وصلت قلت: أي يا فتى؟ لأنها مرفوعة كالذي استفهمت عنه.

فإن قال: مررت برجل. قلت في الوقف: أي؟ موقوف. كما تقول في المخفوض: مررت بزيد. فإن وصلت قلت: أيٍّ؟ يا فتى؟ فإن قال: جاءتني امرأة قلت: أية؟ فإن وصلت قلت: أيةٌ يا فتى؟ و كذلك النصب والخفض. تنصب إذا نصب، وتخفض إذا خفض حكايةً لقوله، وتقف بلا حركة ولا تنوين.

فإن ثنى فقال: جاءني رجلان قلت: أيان؟.

فإن قال: رأيت رجلين أو مررت برجلين قلت: أيين؟ على حكاية كلامه.

و إن قال: جاءتني امرأتان قلت: أيتان؟. وفي النصب والخفض: أيتين؟ وتكسر النون في الوصل، لأنها نون الاثنين.

فإن قال: جاءني رجال قلت: أيون؟. فإن وصلت فتحت النون.

و إن قال: مررت برجال أو رأيت رجالاً قلت أيين؟.

و إن قال: جاءني نساء قلت: أيات؟. فإن وصلت قلت: أياتٌ يا فتى؟ و إن قال: مررت بنساءٍ أو رأيت نساءً قلت: أياتٍ يا فتى؟ إذا وصلت، فإن وقفت فبغير حركة ولا تنوين. على ما وصفت لك.

و إن شئت قلت في جميع هذا، ذكراً كان أو أنثى، جمعاً كان أو واحداً، أيٌّ يا فتى إذا كان مرفوعاً، وأياً، وأيٍّ، إذا كان منصوباً أو مخفوضاً؛ لأن أياً يجوز أن تقع للجماعة على لفظ واحد، وللمؤنث على لفظ المذكر، وكذلك التثنية؛ لأنها بمنزلة من وما؛ لأنهما في جميع ما وقعتا عليه على لفظ واحد.

و إنما جاز في أي التثنية والجمع دون أخواتها؛ لأنها تضاف، وتفرد، ويلحقها التنوين بدلاً من الإضافة؛ فلذلك خالفت أخواتها.

و إن شئت تركت الحكاية في جميع هذا، واستأنفت. فرفعت على الابتداء والخبر، فقلت: أيٌّ يا فتى؟ لأنك لو أظهرت الخبر لم تكن أي إلا مرفوعة؛ نحو قولك: أي من ذكرت، وأي هؤلاء؟.

هذا باب أي إذا كنت مستثبتاً بها عن معرفة إذا قال رجل: رأيت عبد الله. فإن الاستفهام أيٌّ عبد الله؟ لا يكون إلا ذلك؛ لأن أياً ابتداء، وعبد الله خبره.

و لو قلت: أيٌّ يا فتى لم يكن إلا للنكرة؛ لأنك جعلتها شائعة، إذا لم تخصص بها اسماً.

و لو قال قائل: أيٌّ يا فتى؟ على أنه أراد أن عبد الله هذا ممن ينكره فهو عنده شائع بمنزلة رجل لجاز. وليس بالوجه. فأما من عبد الله ونحوه، فبابه ظاهر.

و إذا قلت: رأيت أخويك فإن الوجه أن يقول: أيٌّ أخواك؟ على اللفظ أو المعنى؛ والحمل على المعنى حسنٌ. وهو الذي يختاره من بعد سيبويه أن يقول: من أخواي؟ لأنه قد فهم القصة فعنها يجيب، وكذلك رأيت الرجل، ومررت بالرجل.

فإن قال: رأيت الرجلين أو أخويك فقلت: أيان الرجلان، وأيان أخواي؟ فهذا الذي يختاره النحويون.

١٢٠ / ٢٨٤